قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ اللَّهَ حَرَّمَ علَيْكُم عُقُوقَ الأُمَّهاتِ، ومَنْعًا وهاتِ، ووَأْدَ البَناتِ، وكَرِهَ لَكُمْ: قيلَ وقالَ، وكَثْرَةَ السُّؤالِ، وإضاعَةَ المالِ» [رواه البخاري].
فالنبي صلَّى اللهُ عليه وسلَّمَ نهى عن «قِيلَ وقالَ»، ويُقصَدُ به حِكايةُ أقاويلِ النَّاسِ عامَّةً، وكلُّ كلامٍ لا داعيَ له، والحِكمةُ في النَّهيِ عن ذلك أنَّ الكَثرةَ من ذلك لا يُؤمَنُ معها وُقوعُ المرء في الخَطأِ، وأن ينقل كلامًا كاذبًا لاحقيقة له، ويؤيِّدُ ذلك الحديثُ الصَّحيحِ: «كَفَى بالمَرءِ إثمًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ» [رواه مسلم].
والملاحظ أنه ما من حادثة تحدث إلا وتجد أناسًا يتحدثون بها، يكثرون من القيل والقال، ويتخرصون بمعلومات لايملكون حقيقتها، فيدخلون في عصيان أمر النبي صلى الله عليه وسلم القائل: «كَفَى بالمَرءِ إثمًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ» [رواه مسلم].
والناس لايرضيها شيء! قال الشاعر:
ضحكتُ فقالوا ألا تحتشم؟ بكيتُ فقالوا ألا تبتسم؟
بسمتُ فقالوا يُرائي بها، عبستُ فقالوا بدا ما كتم.
صمتُّ فقالوا كليل اللسان، نطقتُ فقالوا كثير الكلم.
حلمتُ فقالوا صنيع الجبان، ولو كان مقتدرًا لانتقم.
بَسِلتُ فقالوا لِطَيش به، وما كان مجترئًا لو حكم.
يقولون شذ إن قلتُ لا، وإمّعة حين وافقتهم.
فأيقنتُ أني مهما أُرِدْ، رضى الناس لابدّ من أن أُذم.
قال صلى الله عليه وسلم: «منِ التمسَ رضا اللَّهِ بسَخطِ النَّاسِ كفاهُ اللَّهُ مؤنةَ النَّاسِ، ومنِ التمسَ رضا النَّاسِ بسخطِ اللَّهِ وَكلَهُ اللَّهُ إلى النَّاسِ» [رواه الترمذي].
فلا تكن رغبتك يا عبدالله بنيل رضى الناس عنك وتقربهم منك دافعًا لك لأن تنقل أي شيء وتثبت حتى لاتصيب أناسًا أبرياء بتهمة لم يصنعوها!
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِن جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَإٍ فَتَبَيَّنُوا أَن تُصِيبُوا قَوْمًا بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَىٰ مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ﴾ [الحجرات:6].
ولايكن حُبك للشهرة ومُتابعة الآخرين لك في وسائل التواصل الاجتماعي وغيرها دافعًا لأن تنشر الأخبار من غير تثبت، فقد قال صلى الله عليه وسلم: «كَفَى بالمَرءِ إثمًا أنْ يُحدِّثَ بكلِّ ما سَمِعَ» [رواه مسلم].
ولايكن الفضول دافعًا لك للدخول فيما لايعنيك والتحدث به، قال صلى الله عليه وسلم: «من حُسنِ إسلامِ المرءِ تركُهُ ما لا يعنيهِ» [رواه الترمذي وابن ماجه].
واحرص على نقل الخير وابتعد عن نقل الشر: «مَن كانَ يُؤْمِنُ باللَّهِ واليَومِ الآخِرِ فَلْيَقُلْ خَيْرًا أوْ لِيَصْمُتْ» [رواه البخاري].
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم
الخطبة الثانية:
إن هناك طائفة من الناس ليس لهم شغل إلا الحديث عن الناس، وأحوالهم، والتفاصيل الدقيقة في ذلك، والذي يتأمل في مجالس الناس واجتماعاتهم، يجد أن الكثير منها يتحدثون فيه بشتى الموضوعات، فمن السياسة إلى الاقتصاد إلى المسائل الشرعية التي لا يصلح أن يتكلم فيها إلا كبار العلماء، إلى الخوض في أعراض الناس، إلى نقل الشائعات والنكت المكذوبة، إلى التفصيل في أحوال الناس ومعيشتهم، فلان طلق زوجته، فلان طُرِدَ من وظيفته، فلان خسر في تجارته، وهكذا يذهب الوقت في قيل وقال، وهذا يوقع المسلم في كثير من المخالفات الشرعية، ومنها أن هذا من لغو الكلام الذي ينبغي الإعراض عنه والاشتغال عنه بما يفيد، قَالَ تَعَالَى: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَنِ اللَّغْوِ مُعْرِضُون﴾ [المؤمنون:3]. قال الشيخ الشنقيطي رحمه الله: ذكر – جل وعلا – في هذه الآية الكريمة أن من صفات المؤمنين المفلحين إعراضهم عن اللغو، وأصل اللغو ما لا فائدة فيه من الأقوال والأفعال، فيدخل فيه اللعب واللهو والهزل وما توجب المروءة تركه. اهـ.
ومن المخالفات أنه هذا يدخل في تتبع عورات المسلمين وزلاتهم، وهو أمر منهيٌّ عنه، فقد روى الإمام أحمد في مسنده مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي اللهُ عنه قَالَ: قَالَ رَسُولُ اللهِ صلى اللهُ عليه وسلم: «يَا مَعْشَرَ مَنْ آمَنَ بِلِسَانِهِ وَلَمْ يَدْخُلِ الْإِيمَانُ قَلْبَهُ، لَا تَغْتَابُوا الْمُسْلِمِينَ وَلَا تَتَّبِعُوا عَوْرَاتِهِمْ؛ فَإِنَّهُ مَنْ يَتَّبِعْ عَوْرَاتِهِمْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ، وَمَنْ يَتَّبِعِ اللهُ عَوْرَتَهُ يَفْضَحْهُ فِي بَيْتِهِ».
ومن المخالفات أن هذا الأمر من إضاعة الوقت فيما لا فائدة فيه، وسيُسأل المرء عن كل لحظة من لحظات حياته، بل إن هذا من أصول الأسئلة التي توجه له يوم القيامة، روى الترمذي في سننه مِن حَدِيثِ أَبِي بَرْزَةَ الأَسْلَمِيِّ رضي اللهُ عنه: أَنَّ النَّبِيَّ صلى اللهُ عليه وسلم قَالَ: «لَا تَزُولُ قَدَمَا عَبْدٍ يَوْمَ القِيَامَةِ حَتَّى يُسْأَلَ عَنْ أَربَعٍ: ذَكَرَ مِنهَا: عَن عُمُرِهِ فِيمَ أَفْنَاهُ؟».