جَاءَ إبْرَاهِيمُ – عليه السلام بهاجر رضي الله عنها – وبِابْنِهَا إسْمَاعِيلَ – عليه السلام – وهي تُرْضِعُهُ، حتَّى وضَعَهُما عِنْدَ البَيْتِ عِنْدَ دَوْحَةٍ فَوْقَ زَمْزَمَ في أَعْلَى المسْجِدِ، وليسَ بمَكَّةَ يَومَئذٍ أَحَدٌ، وليسَ بهَا مَاءٌ، فَوَضَعَهُما هُنَالِكَ، ووَضَعَ عِنْدَهُما جِرَابًا فيه تَمْرٌ، وسِقَاءً فيه مَاءٌ، ثُمَّ قَفَّى إبْرَاهِيمُ مُنْطَلِقًا، فَتَبِعَتْهُ أُمُّ إسْمَاعِيلَ فَقالَتْ: يا إبْرَاهِيمُ، أَيْنَ تَذْهَبُ وتَتْرُكُنَا بهذا الوَادِي الَّذي ليسَ فيه إنْسٌ ولَا شَيءٌ؟ فَقالَتْ له ذلكَ مِرَارًا، وجَعَلَ لا يَلْتَفِتُ إلَيْهَا، فَقالَتْ له: آللَّهُ الَّذي أَمَرَكَ بهذا؟ قالَ: نَعَمْ، قالَتْ: إذَنْ لا يُضَيِّعُنَا، ثُمَّ رَجَعَتْ. [رواه البخاري].
(إذا لايضيعنا) كلمة كلها ثقة بالله عز وجل، وتوكل عليه، ومعرفة بحقيقة الله تعالى، وأنه هو المتصرف في هذا الكون، لا إله إلا هو ولا رب سواه، ويدور الزمان ونسمع هذه الكلمة من طفل في غزة يقول وهو يشاهد ويعايش الأحداث حوله: إذا لايضيعنا الله!
إبراهيم عليه السلام لما ألقي في النار وأرادوا الخلاص منه قال وهو في السماء: حسبي الله ونعم الوكيل، فلم يضيعه الله عز وجل ولم تضره النار لأن أمر الله تعالى نزل مباشرة: ﴿قُلْنَا يَا نَارُ كُونِي بَرْدًا وَسَلَامًا عَلَىٰ إِبْرَاهِيمَ﴾ [الأنبياء:69]، فكانت بردًا بدل الحر وسلامًا غير مؤذية فسبحان الذي لايضيع عباده جل وعلا.
موسى عليه السلام لما هرب بمن معه من المؤمنين من بطش فرعون وجنده ووصل إلى البحر فأصبح العدو خلفه والبحر أمامه ﴿فَلَمَّا تَرَاءَى الْجَمْعَانِ قَالَ أَصْحَابُ مُوسَىٰ إِنَّا لَمُدْرَكُونَ﴾ فرد عليهم موسى عليه السلام بكل ثقة بالله عز وجل وتوكل عليه: ﴿قَالَ كَلَّا إِنَّ مَعِيَ رَبِّي سَيَهْدِينِ﴾ [الشعراء:61-62].
فجاء الأمر الإلهي مباشرة: ﴿فَأَوْحَيْنَا إِلَىٰ مُوسَىٰ أَنِ اضْرِب بِّعَصَاكَ الْبَحْرَ فَانفَلَقَ فَكَانَ كُلُّ فِرْقٍ كَالطَّوْدِ الْعَظِيمِ * وَأَزْلَفْنَا ثَمَّ الْآخَرِينَ * وَأَنجَيْنَا مُوسَىٰ وَمَن مَّعَهُ أَجْمَعِينَ * ثُمَّ أَغْرَقْنَا الْآخَرِينَ﴾ [الشعراء:61-66].
والنبي صلى الله عليه وسلم يأتيه أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين فيقولون له: ألا تَسْتَنْصِرُ لنا ألا تَدْعُو لَنا؟ فقالَ: «قدْ كانَ مَن قَبْلَكُمْ، يُؤْخَذُ الرَّجُلُ فيُحْفَرُ له في الأرْضِ، فيُجْعَلُ فيها، فيُجاءُ بالمِنْشارِ فيُوضَعُ علَى رَأْسِهِ فيُجْعَلُ نِصْفَيْنِ، ويُمْشَطُ بأَمْشاطِ الحَدِيدِ، ما دُونَ لَحْمِهِ وعَظْمِهِ، فَما يَصُدُّهُ ذلكَ عن دِينِهِ، واللَّهِ لَيَتِمَّنَّ هذا الأمْرُ، حتَّى يَسِيرَ الرَّاكِبُ مِن صَنْعاءَ إلى حَضْرَمَوْتَ، لا يَخافُ إلَّا اللَّهَ، والذِّئْبَ علَى غَنَمِهِ، ولَكِنَّكُمْ تَسْتَعْجِلُونَ» [رواه البخاري].
ثقة من النبي صلى الله عليه وسلم بأن الله سينصر دينه وسيعز هذا الدين وسيذل الكافرين كما قال صلى الله عليه وسلم: «لَيَبْلُغَنَّ هذا الأمرُ ما بلَغَ اللَّيلُ والنَّهارُ، ولا يَترُكُ اللهُ بَيتَ مَدَرٍ ولا وَبَرٍ إلَّا أَدخَلَه اللهُ هذا الدِّينَ، بعِزِّ عَزيزٍ أو بِذُلِّ ذَليلٍ؛ عِزًّا يُعِزُّ اللهُ به الإسلامَ، وذُلًّا يُذِلُّ اللهُ به الكُفرَ» [رواه أحمد].
الثقة بالله تعالى، وحسن الظن به، فرع عن معرفته، والإيمان به، فمن عرف الله تعالى، أحبّه، وتوكّل عليه، وفوّض أمره إليه، وآوى إلى ركنه، ولم يلتف إلى غيره.
ومن أقرب الأبواب التي تجعل المسلم واثقًا بربه حَسنَ الظن به: تدبّر القرآن، وتفهّم معانيه، والإكثار من ذكر الله تعالى، مع حضور القلب، وفقه المعنى، ومدارسة أسماء الله تعالى وصفاته، وإحصاؤها.
فإن عاش المسلم في هذه الرحاب الفسيحة، انشرح صدره، واطمأنّ قلبه، وسكنت نفسه، ورضي بالله تعالى ربًّا، وبقضائه وقدره حظًّا ونصيبًا؛ فذاق طعم الإيمان الذي يُغنيه ويكفيه.
وأيقن أن ما أصابه لم يكن ليخطئه، وما أخطأه لم يكن ليصيبه، وأن قضاء الله تعالى خيرٌ له من اختياره لنفسه، وهذه هي جنة الدنيا التي لا يطيب العيش إلا بها، ولا يسعد إلا فيها.
اللهم ارزقنا إياها يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم إنه هو الغفور الرجيم
الخطبة الثانية:
قال صلى الله عليه وسلم: «لا يَمُوتَنَّ أَحَدُكُمْ إلَّا وَهو يُحْسِنُ باللَّهِ الظَّنَّ» [رواه مسلم]، أي لا يَنْبغي أنْ يَموتَ المؤمنُ وهو قانطٌ مِن رَحمةِ اللهِ، بلْ عليْه أنْ يُحسِنَ الظَّنَّ باللهِ ويَرجو ذلكَ بتَدبُّر الآياتِ والأَحاديثِ الواردَةِ في كَرمِ اللهِ تعالَى وعَفوِه وما وَعَدَ به أَهلَ التَّوحيدِ، وما سيُبدِّلُهم منَ الرَّحمةِ يومَ القِيامةِ؛ وذلك لئلَّا يَغلِبَ عليه الخوفُ حينئذٍ، فيغلبَ عليهِ اليأسُ والقُنوطُ فيَهلِكَ، ومِن حُسنِ ظنِّ المؤمِنِ باللهِ تعالَى أنْ يَعمَلَ الصَّالحاتِ، ويَجتنِبَ السيِّئاتِ، ويَرجوَ الثَّوابَ والأجرَ مِنَ اللهِ. [موقع درر السنية].
فلنحسن الظن بربنا فإنه لن يضيعنا ولنكن طائعين له ملتزمين بأمره مخبتين إليه يا عباد الله.