خطبة أيام أكل وشرب وذكر لله

     قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أَيّامُ التَّشْرِيقِ أَيّامُ أَكْلٍ وَشُرْبٍ». وفي رواية: «وذكرٍ لله» [رواه مسلم]، وقد ذكر الله عز وجل أن الذكر حياة للقلوب واطمئنان لها فقال تعالى:)الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُم بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ( [الرعد28]، فقلوب المؤمنين تطيب وتركَنُ إلى جنب الله عز وجل، وتَسْكن عند ذكره، وتَرضى به مولى ونصيرًا، بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «مَثَلُ الذي يَذْكُرُ رَبَّهُ والذي لا يَذْكُرُ رَبَّهُ، مَثَلُ الحَيِّ والمَيِّتِ» [رواه البخاري]، وذكر الله تعالى لقلوب المؤمنين وأبدانهم نجاة قال عليه الصلاة والسلام: «ما عَمِلَ ابنُ آدمَ عمَلًا أنجى لَهُ منَ عذابِ اللَّهِ من ذِكْرِ اللَّهِ» [رواه ابن أبي شيبة وحسن إسناده ابن حجر في البلوغ].

     والقلوب تصدأ بتركها لذكر الله عز وجل فإذا ذكرت الله تعالى جلى هذا الذكر هذا الصدأ الذي عليها، قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبدَ إذا أخطأَ خطيئةً نُكِتت في قلبِهِ نُكْتةٌ سوداءُ، فإذا هوَ نزعَ واستَغفرَ وتابَ سُقِلَ قلبُهُ، وإن عادَ زيدَ فيها حتّى تعلوَ قلبَهُ، وَهوَ الرّانُ الَّذي ذَكَرَ اللَّه: ﴿كَلّا بَلْ رانَ عَلى قُلُوبِهِمْ ما كانُوا يَكْسِبُونَ﴾» [رواه الترمذي وحسنه].

     وقال ابن عباس رضي الله عنهما: الشيطان جاثم على قلب ابن آدم، فإذا سها وغفل وسوس، فإذا ذكر الله تعالى خنس. [الوابل الصيب83]، أي كف وانقبض.

     بل قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ما جَلسَ قومٌ مجلِسًا لم يذكُروا اللهَ فيهِ ولم يُصلُّوا على نبيِّهم إلَّا كان عليهم تِرةٌ (حسرة والعياذ بالله) فإنَّ شاءَ عذَّبَهم وإن شاءَ غفرَ لَهم» [رواه الترمذي وقال: حسن صحيح].

     أحبتي في الله، إن الله عز وجل بين لنا في كتابه أن الإعراض عن ذكره يجعل الإنسان في ضنك في دنياه، فلا طمأنينة له، ولا انشراح لصدره، بل صدره ضيق حرج لضلاله، وإن تنعم ظاهره، ولبس ما شاء وأكل ما شاء، وسكن حيث شاء: )وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى( [طه:124].

     فاحرص يا عبدالله على ذكر الله عز وجل، وعلى حلق الذكر التي يُذكر فيها الله تعالى، قال صلى الله عليه وسلم: «إذا مَرَرْتُم برِياضِ الجنةِ فارْتَعُوا» قالوا: وما رياضُ الجنةِ قال: «حِلَقُ الذِّكْرِ» [رواه الترمذي وقال: حسن غريب].

     وأعظم الذكر تلاوة القرآن ومدارسته وتعلم أحكامه، كما قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «وما اجتمع قوم في بيت من بيوت الله تعالى يتلون كتاب الله ويتدارسونه إلا نزلت عليهم السكينة وغشيتهم الرحمة وحفتهم الملائكة وذكرهم الله فيمن عنده». [رواه مسلم]، وقال صلى الله عليه وسلم: «أفضل الكلام بعد القرآن سبحان الله والحمد لله ولا إله إلا الله والله أكبر». [رواه أحمد]، وفي رواية: «لايضرك بأيهن بدأت».

     كتابُ الله الذي يتعرض في هذه الأيام للحرق من دولة كافرة منحلة معادية للإسلام والمسلمين، كتابُ الله الذي أوصانا به رسول الله صلى الله عليه وسلم فقال: «إني قد تركتُ فيكم ما إن اعتصمتُم به فلن تَضِلُّوا أبدًا، كتابَ اللهِ، وسُنَّةَ نبيِّه» [صحيح الترغيب (40)].

      كِتَابُ الله، فِيهِ نَبَأُ مَا كان قَبْلَكُمْ، وَخَبَرُ مَا بَعْدَكُمْ، وَحُكْمُ مَا بَيْنَكُمْ، وَهُوَ الفَصْلُ لَيْسَ بِالْهَزْلِ، مَنْ تَرَكَهُ مِنْ جَبّارٍ قَصَمَهُ الله، وَمَنْ ابَتَغَى الهُدَى فِي غَيْرِهِ أَضَلّهُ الله، وَهُوَ حَبْلُ الله المتينُ، وَهُوَ الذّكْرُ الْحَكِيمُ، وَهُوَ الصّرَاطُ المسْتَقِيمُ، هُوَ الّذِي لاَ تَزِيعُ بِهِ الأَهْوَاءُ، وَلاَ تَلْتَبِسُ بِهِ الألسِنَةُ، وَلاَ يَشْبَعُ مِنْهُ الْعُلَمَاءُ، ولا تزول لذة قراءته وطراوة تلاوته، واستماع أذكاره وأخباره من كثرة تكراره، وَلاَ تَنْقَضَي عَجَائِبُهُ، هُوَ الّذِي لما سمعته الْجِنّ قالُوا: ﴿إِنّا سَمِعْنَا قُرْآنَا عَجَبًا يَهْدِي إِلَى الرّشْدِ فَآمَنّا بِهِ﴾، مَنْ قالَ بِهِ صَدَقَ، وَمَنْ عَمِلَ بِهِ أُجِرَ، وَمَنْ حَكَمَ بِهِ عَدَلَ، وَمَنْ دَعَا إِلَيْهِ هُدِيَ إِلَى صِرَاطٍ مُسْتَقِيمٍ، فاللهم اجعلنا به مؤمنين عاملين وله حافظون.

أقول قولي هذا وأستغفر الله تعالى لي ولكم فاستغفروه.

الخطبة الثانية:

     عن عبدالله بن بُسر رضي الله عنه أنَّ رجلًا قال: يا رسولَ اللهِ إنَّ شرائعَ الإسلامِ قد كثُرت عليَّ فأخبِرني بشيءٍ أتشبَّثُ به قال: «لا يزالُ لسانُك رطبًا من ذكرِ اللهِ» [رواه الترمذي].

أي: داوِمْ على ذِكْرِ اللهِ سبحانه وتعالى؛ مِن تَسبيحِه وتَحميدِه ونَحوِ ذلك.

     وعن ابن عباس رضي الله عنهما في قوله: )وَاذْكُرُوا اللَّهَ كَثِيرًا( قال: لا يفرض الله على عباده فريضة إلا جعل لها حدًّا معلومًا، ثم عذر أهلها في حال عذرٍ، غيرَ الذكر، فإن الله لم يجعل له حدًا ينتهي إليه، ولم يعذر أحدًا في تركه إلا مغلوبًا على عقله، فقال: )فَاذْكُرُوا اللَّهَ قِيَامًا وَقُعُودًا وَعَلَى جُنُوبِكُمْ(، بالليل والنهار، في البر والبحر، وفي السفر والحضر، والغنى والفقر، والسقم والصحة، والسرِّ والعلانية، وعلى كل حالٍ. [تفسير الطبري].

     وقال صلى الله عليه وسلم: «سَبَقَ المفَرِّدُونَ» قالوا: وَما المفَرِّدُونَ؟ يا رَسولَ اللهِ، قالَ: «الذَّاكِرُونَ اللَّهَ كَثِيرًا، وَالذَّاكِرَاتُ». [رواه مسلم].

     اللهم اجعلنا من المفرّدين يا رب العالمين، واشرح صدورنا بذكرك، ويسر أمورنا بذكرك، وأسعدنا بذكرك، اللهم من حرق كتابك فاحرق مُلكهم، وشتت شملهم، وأرنا فيهم عجائب قدرتك يا رب العالمين، أرسل عليهم صاعقة كما أرسلتها على كنيسة المثليين يا قوي يا عزيز.

     اللهم عليك بمن عادى الإسلام والمسلمين، شتت شملهم، احصهم عددًا واقتلهم بددًا ولاتغادر منهم أحدًا ياذا القوة والجبروت.

     اللَّهُمَّ أَبْرِمْ لِهَذِهِ الْأُمَّةِ أَمْرًا رَشِيدًا، تُعِزُّ فِيهِ وَلِيَّكَ، وَتُذِلُّ فيه عَدُوَّكَ، وَيُعْمَلُ فِيهِ بِطَاعَتِكَ يا ذا الجلال والإكرام.

اللهم اغفر لنا أجمعين…

     اللهم تقبل من الحجاج حجهم واجعله حجًا مبرورًا وسعيًا مشكورًا وذنبًا مغفورًا وأعدهم سالمين غانمين كيوم ولدتهم أمهاتهم يا رب العالمين.