ها نحن في زمن الاختبارات وفي زمن الانتخابات، والكل يريد أن يفوز وينجح ويتميز، الطالب في مدرسته وجامعته، والمرشح في ترشيحه وانتخابه، وكذلك الموظف في اختبار وظيفته، فالكل يسعى للنجاح والتميز في هذه الحياة الدنيا، وهنا يتذكر العبد أنه خلق في هذه الحياة وبُين له الطريق وترك للاختبار ﴿الَّذِي خَلَقَ الْمَوْتَ وَالْحَيَاةَ لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا وَهُوَ الْعَزِيزُ الْغَفُورُ﴾ [الملك:2]، فإن أطاع فاز ونجا، وإن عصى خسر وخاب، ﴿كُلُّ نَفْسٍ ذَائِقَةُ الْمَوْتِ وَإِنَّمَا تُوَفَّوْنَ أُجُورَكُمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَمَن زُحْزِحَ عَنِ النَّارِ وَأُدْخِلَ الْجَنَّةَ فَقَدْ فَازَ وَمَا الْحَيَاةُ الدُّنْيَا إِلَّا مَتَاعُ الْغُرُورِ﴾ [آل عمران:185]، الفوز الحقيقي يا عباد الله هو الفوز الأخروي لا الدنيوي الزائل، وكل امتحان يمر على الإنسان في حياته يذكره بامتحان الآخرة، والتي يكون أول اختبار فيها في أول منازل الآخرة القبر، فهناك من يجتاز الامتحان فيقول: ربي الله وديني الإسلام ونبيي محمد صلى الله عليه وسلم، وهناك والعياذ بالله من يسقط في الامتحان سقوطًا ضرره أشد من أشد سقوط في الدنيا فيُجيب ساعة امتحانه بقوله: هاه هاه لا أدري، فيقال له كما بلغنا رسول الله صلى الله عليه وسلم: «لا دَرَيْتَ ولَا تَلَيْتَ، ويُضْرَبُ بمَطَارِقَ مِن حَدِيدٍ ضَرْبَةً، فَيَصِيحُ صَيْحَةً يَسْمَعُهَا مَن يَلِيهِ غيرَ الثَّقَلَيْنِ» [رواه البخاري]، أي: يَسمعُه مَن يكونُ قريبًا منه مِن الخلائقِ إلَّا الثَّقَلَينِ، وهُما الإنسُ والجنُّ؛ فاللَّهمَّ قِنَا فِتنةَ القبرِ وعذابَه بِمَنِّك وفضْلِك يا أرحمَ الرَّاحِمِين.
فإذا أردت النجاح الدنيوي والأخروي يا عبدالله فعليك أولا بطاعة الله عز وجل وتوحيده، ﴿إِنَّ الَّذِينَ قَالُوا رَبُّنَا اللَّهُ ثُمَّ اسْتَقَامُوا تَتَنَزَّلُ عَلَيْهِمُ الْمَلَائِكَةُ أَلَّا تَخَافُوا وَلَا تَحْزَنُوا وَأَبْشِرُوا بِالْجَنَّةِ الَّتِي كُنْتُمْ تُوعَدُونَ * نَحْنُ أَوْلِيَاؤُكُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَفِي الْآخِرَةِ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَشْتَهِي أَنْفُسُكُمْ وَلَكُمْ فِيهَا مَا تَدَّعُونَ * نُزُلًا مِنْ غَفُورٍ رَحِيمٍ﴾ [فصلت:30 -32]. وقال: ﴿وَمَن يُطِعِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَيَخْشَ اللَّهَ وَيَتَّقْهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْفَائِزُونَ﴾ [النور:53].
فتوحيد الله تعالى سبب في الفوز في الدنيا والآخرة، وعلينا بالمحافظة على الصلاة، قال تعالى: ﴿قَدْ أَفْلَحَ الْمُؤْمِنُونَ﴾ وعد من أسباب الفلاح: ﴿وَالَّذِينَ هُمْ عَلَىٰ صَلَوَاتِهِمْ يُحَافِظُونَ﴾ [المؤمنون:1، 9]، وقال صلى الله عليه وسلم: «الطهور شطر الإيمان، والحمد لله تملأ الميزان، وسبحان الله، والحمد لله تملآن -أو تملأ- ما بين السماوات والأرض، والصلاة نور، والصدقة برهان، والصبر ضياء، والقرآن حجة لك أو عليك، كل الناس يغدو، فبائع نفسه، فمعتقها، أو موبقها». [رواه مسلم].
وَالصَّلاةُ نورٌ، أي صلاة الفريضة، والنافلة نور، نور في القلب، ونور في الوجه، ونور في القبر، ونور في الحشر؛ لأن الحديث مطلق، وجرّب تجد. إذا صلّيت الصلاة الحقيقية التي يحضر بها قلبك، وتخشع جوارحك، تُحس بأن قلبك استنار، وتلتذّ بذلك غاية الالتذاذ؛ ولهذا قال النبي صلى الله عليه وسلم: «جُعِلَتْ قُرَّةُ عَيْنِي فِي الصلاة». [شرح الأربعين النووية لابن عثيمين رحمه الله].
ومن أراد رضى الله عز وجل وتوفيقه وتيسيره في أموره كلها فعليه ببر الوالدين، عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «رِضى اللَّهِ في رِضى الوالِدَينِ، وسَخَطُ اللَّهِ في سَخَطِ الوالدينِ» [رواه البيهقي واللفظ له والترمذي].
كيف يريد النجاح والفلاح من عق والديه، وأساء لهما، وأضر بهما؟!، كيف يريد التيسير والتوفيق من لم يُحسن إليهما؟!، ﴿وَقَضَىٰ رَبُّكَ أَلَّا تَعْبُدُوا إِلَّا إِيَّاهُ وَبِالْوَالِدَيْنِ إِحْسَانًا إِمَّا يَبْلُغَنَّ عِندَكَ الْكِبَرَ أَحَدُهُمَا أَوْ كِلَاهُمَا فَلَا تَقُل لَّهُمَا أُفٍّ وَلَا تَنْهَرْهُمَا وَقُل لَّهُمَا قَوْلًا كَرِيمًا﴾ [الإسراء:23].
وعلينا بالاجتهاد في طلب العلم، وفي طاعة الله تعالى، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ جَاهَدُوا فِينَا لَنَهْدِيَنَّهُمْ سُبُلَنَا وَإِنَّ اللَّهَ لَمَعَ الْمُحْسِنِينَ﴾ [العنكبوت:69].
وقال الإمام الشافعي رحمه الله:
| أَخِي، لَنْ تَنَالَ الْعِلْمَ إِلاَّ بِسِتَّــــةٍ | *** | سَأُنْبِيكَ عَنْ تَفْصِيلِهَا بِبَيَــــــــــــانِ |
| ذَكَاءٌ وَحِرْصٌ وَاجْتِهَادٌ وَبُلْغَــــــــــةٌ | *** | وَصُحْبَةُ أُسْتَاذٍ وَطُولُ زَمَـــــــــــــــــانِ |
وعلينا بالصحبة الصالحة، قال صلى الله عليه وسلم: «الرجلُ على دِينِ خليلِه، فلينظر أحدُكم من يُخالِلْ» [السلسلة الصحيحة (927)].
وكما قيل: الصاحب ساحب. أقول قولي هذا…
الخطبة الثانية:
علينا يا عباد الله بالدعاء لله رب العالمين، فما خاب من دعاه، ولاندم من رجاه، قال الله: ﴿وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا﴾ [طه:114]، وعن أم سلمة رضي الله عنها قالت: كانَ يقولُ – أي النبي صلى الله عليه وسلم – إذا صلَّى الصُّبحَ حينَ يُسلِّمُ: «اللَّهمَّ إنِّي أسألُكَ عِلمًا نافعًا ورزقًا طيِّبًا وعملًا متقبَّلًا» [صحيح ابن ماجه].
وإذا استصعبت شيئًا فقل: «اللَّهمَّ لا سَهلَ إلَّا ما جَعَلتَه سَهلًا، وأنتَ تَجعَلُ الحَزْنَ إذا شِئتَ سَهلًا» [رواه ابن حبان في صحيحه وصححه الأرناؤوط].
يقول لي أحد الأحباب الثقات أنه كانت عنده معاملة ضرورية جدًا يحتاجها ولابد من القيام بها لمصلحته ومصلحة زوجته وأولاده، فكان يذهب للجهة ليقوم بها ولاتتم له، مع أنها ليس فيها أي مخالفة قانونية ولاشرعية ولكن الله تعالى قدر ذلك، وقد ذهب أكثر من 30 مرة للجهة بلا فائدة، وهو لايحب أن يُعرّض ماء وجهه لأحد، وفي يوم اشتد به الضيق وضاقت عليه الدنيا فلجأ إلى الله تعالى بالدعاء متضرعًا متذللا منيبًا إليه سبحانه، يقول: فو الله لم يمض يوم واحد حتى تم الأمر وزال الضيق وفرجت الكربة.
وَلَرُبَّ نازِلَةٍ يَضيقُ لَها الفَتى ذَرعًــا *** وَعِندَ اللَهِ مِنهـا المخرَجُ
ضاقَت فَلَمّا استَحكَمَت حَلَقاتُها *** فُرِجَت وَكُنتُ أَظُنُّها لا تُفرَجُ
وأكثروا من الصلاة والسلام على خير الأنام ييسر الله لكم أموركم ويُزال همكم ويُغفر ذنبكم كما قال صلى الله عليه وسلم لمن يُكثر من الصلاة عليه: «إذًا تُكفَى همَّك، ويُغفَرُ لك ذنبُك» [صحيح الترغيب (1670)].
اللهم صل وسلم على خير نبي أرسلا محمد وآله ومن تلا، واحشرنا اللهم في زمرته، واسقنا من يده الشريفة شربة لانظمأ بعدها أبدًا يا رب العالمين…