روى ابن حبان في صحيحه عن شداد بن أوس رضي الله عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول في صلاته: «اللهم إني أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد».
إن اختيار النبي صلى الله عليه وسلم لدعاء يدعو به في صلاته، يدل على أهمية هذا الدعاء لوجوده في أهم العبادات وهي الصلاة.. ومعناه أيضا أنه كان يكرره ويكثر منه.
والثبات في الأمر: أي الثبات على الدين والهداية، والاستقامة على الطاعة في كل الأحوال والأوقات، وقد كان من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يستعيذ بالله من الحور بعد الكور [رواه مسلم]، ومعناه الارتداد على الأعقاب والنكوص، وترك الهدى بعد لزومه، وعدم اتباع الحق بعد معرفته.
والدعاء بالثبات دعاء عظيم جدًا يا عباد الله، خصوصًا وقد أخبر النبي صلوات الله وسلامه عليه أن القلوب تتقلب، وأن قلوب العباد بين أصبعين من أصابع الرحمن يقلبها كيف يشاء، وأنه ستكون فتن يصبح الرجل فيها مؤمنًا ويمسي كافرًا، ويمسي مؤمنًا ويصبح كافرًا يبيع دينه بعرض من الدنيا.
فدعاء الثبات مهم من مهمات الأدعية في هذا الزمان زمان الفتن والانفلات، والنكوص على الأعقاب، والزهد في الدين وشعائره وشرائعه، فاللهم نسألك الثبات في الأمر.
والعزيمة على الرشد: فأما الرشد: فهو الهدى والصلاح، والحق والصواب.
والعزيمة على الرشد: هو التوفيق للمبادرة إليه والجِدِّ فيه، فإن بعض الناس يعرف الحق لكن ليست له عزيمة على اتباعه، وفي الدعاء المأثور: اللهم أرنا الحق حقا وارزقنا اتباعه، وأرنا الباطل باطلا ووفقنا لاجتنابه، ولا تجعله ملتبسًا علينا فنضل، واجعلنا للمتقين إماما. [تفسير القرآن العظيم، البقرة (213) ونسبه البهوتي في منتهى الإرادات لعمر رضي الله عنه].
وسؤال الله العزيمة على الرشد شبيه بالدعاء الذي كان النبي صلى الله عليه وسلم يعلمه علي بن أبي طالب حين قال له: «قُلِ اللَّهمَّ اهْدِني وسدِّدْني، واذكُرْ بالهدايةِ هدايةَ الطَّريقِ، واذكُرْ بالسَّدادِ تسديدَك السَّهمَ» [رواه مسلم وأبو داود].
وفي دعاء (العزيمة على الرشد) يا عباد الله معنيان عظيمان:
الأول: المبادرة إلى الطاعات، والمسارعة في الخيرات، وترك التسويف والتواني: فإنما أهلك الناسَ التسويفُ كما قال تعالى عن أهل النار: ﴿وَلَٰكِنَّكُمْ فَتَنتُمْ أَنفُسَكُمْ وَتَرَبَّصْتُمْ وَارْتَبْتُمْ وَغَرَّتْكُمُ الْأَمَانِيُّ حَتَّىٰ جَاءَ أَمْرُ اللَّهِ وَغَرَّكُم بِاللَّهِ الْغَرُورُ﴾ [الحديد:14].
ولذلك نجد القرآن الكريم يحث الناس على المسارعة في فعل الخير والمسابقة إليه، قال سبحانه: ﴿سَابِقُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا كَعَرْضِ السَّمَاءِ وَالأَرْضِ﴾ [الحديد:21]، وقال: ﴿وَسَارِعُوا إِلَى مَغْفِرَةٍ مِنْ رَبِّكُمْ وَجَنَّةٍ عَرْضُهَا السَّمَاوَاتُ وَالْأَرْضُ أُعِدَّتْ لِلْمُتَّقِينَ﴾ [آل عمران:133]، وقال سبحانه: ﴿فَاسْتَبِقُوا الْخَيْرَاتِ﴾ [البقرة:148].
وفي السنة أيضًا كان النبي صلى الله عليه وسلم يدعو إلى المبادرة بالأعمال الصالحة قبل العجز عنها ففي صحيح مسلم عن أبي هريرة عنه قال: قال صلى الله عليه وسلم: «بَادِرُوا بالأعْمَالِ فِتَنًا كَقِطَعِ اللَّيْلِ المُظْلِمِ، يُصْبِحُ الرَّجُلُ مُؤْمِنًا وَيُمْسِي كَافِرًا، أَوْ يُمْسِي مُؤْمِنًا وَيُصْبِحُ كَافِرًا، يَبِيعُ دِينَهُ بعَرَضٍ مِنَ الدُّنْيَا». أقول قولي هذا وأستغفرالله…
الخطبة الثانية:
المعنى الثاني: الذي نستفيده من دعاء (العزيمة على الرشد): الإيجابية وترك الخمول: فالإسلام لا يعرف المسلم الخامل الذي ليس له دور ولا أثر، وإنما هو دين يبعث على الحركة والجد والاجتهاد، ويحول الإنسان من سلبي إلى إنسانٍ إيجابي، إنسانٍ فاعل، إنسانٍ منتج، إنسانٍ صاحب همة، وصاحبِ أثر.
أبو بكر رضي الله عنه يوم أسلم خرج يدعو إلى الله، فأسلم على يديه أربعةُ من العشرة المبشرين بالجنة: طلحة بن عبيد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وأبو عبيدة بن الجراح رضي الله عنهم أجمعين.
وسعد بن معاذ رضي الله عنه عاش في الإسلام ستَّ سنوات فقط، ومات وعمره ستٌّ وثلاثون سنة، ومع ذلك لما مات اهتز لموته عرش الرحمن، فماذا صنع في هذه الست سنوات ليحدث مثل هذا؟ وبعض الناس يعيش في هذه الحياة ويموت ولم يترك أثرًا يخدم دينه ولا أمته ولا بلده، ولا حتى أهله.
وقد حثنا صلى الله عليه وسلم على أن نترك أثرًا في حياتنا فقال: «إنْ قامَتِ السَّاعةُ وفي يدِ أحدِكُم فَسيلةٌ فإنِ استَطاعَ أن لا تَقومَ حتَّى يغرِسَها فلْيغرِسْها» [صحيح الأدب المفرد (371)]، فرسول الله صلى الله عليه وسلم يريد من المسلم أن يكون إيجابيًا فعّالا، لا كسولا خاملا.
فاللهم إنا أسألك الثبات في الأمر، والعزيمة على الرشد..