يخوفك ويحبك!

     الإيدز ، جنون البقر ، حمى الوادي المتصدع ، إنفلوانزا الطيور ، إنفلوانزا الخنازير ، موجة المطر الشديدة المخيفة ، موجة الغبار الشديدة المخيفة … إلخ كل ذلك ليقول لك ياابن آدم انتبه فإني قادر على كل شيء .

مابين طرفة عين وانتباهتها … يغير الله من حال إلى حال

     أخي إننا لاتعلم بعد لحظة بسيطة ماسيحدثه سبحانه وتعالى من تغيير في الجو من حولنا أو المجتمع الذي نعيش فيه أو النفس التي بين جنبينا فقد يغير الله تعالى الجو من صاف بديع إلى زلازل وأعاصير وبراكين ووو – عافانا الله وإياكم من ذلك – وقد يغير الله تعالى المجتمع من مجتمع غني مستقر يعيش في أمن وأمان إلى مجتمع فقير مطارد خائف – عافانا الله وإياكم من ذلك – وقد يقبض الله روح الإنسان في أي لحظة ، إذا كل ذلك تخويف منه سبحانه وتعالى لنا وقد صدق حين قال : ( ومانرسل بالآيات إلا تخويفا ) الإسراء 59 ، ولكن لماذا يخوفنا وهو قادر على كل شيء ؟ لماذا يخوفنا ونحن لانملك في منع أمره أو معارضته أي شيء ؟ فـ ( لله الأمر من قبل ومن بعد ) إنه يخوفنا لنبتعد عن معصيته ونفعل طاعته التي هي الخير ( وافعلوا الخير ) يخوفنا في الدنيا حتى ننجو بأنفسنا في الآخرة ( فمن زحزح عن النار وأدخل الجنة فقد فاز ) يخوفنا لأنه يحبنا ويحب توبتنا ورجوعنا قال صلى الله عليه وآله وسلم :  ” لله أفرح بتوبة أحدكم من رجل بأرض فلاة دوية مهلكة معه راحلته عليها زاده وطعامه وشرابه وما يصلحه فأضلها ، فخرج في طلبها حتى إذا أدركه الموت ،   قال : أرجع إلى مكاني الذي أضللتها فيه فأموت فيه ، فرجع إلى مكانه ، فغلبته عينه فاستيقظ فإذا راحلته عند رأسه ، عليها طعامه وشرابه وما يصلحه ” رواه الترمذي وقال : حسن صحيح .

     ولا أدل على حبه لنا من مناداته لنا بـ ( عبادي ) في أكثر من آية قال تعالى :      ( قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَىٰ أَنْفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِنْ رَحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ ) الزمر53، وقال : ( يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّ أَرْضِي وَاسِعَةٌ فَإِيَّايَ فَاعْبُدُونِ ) العنكبوت 56 ، وقال : ( نَبِّئْ عِبَادِي أَنِّي أَنَا الْغَفُورُ الرَّحِيمُ * وَأَنَّ عَذَابِي هُوَ الْعَذَابُ الأَلِيمُ  ) الحجر 49-50 ، وقال : ( وَإِذَا سَأَلَكَ عِبَادِي عَنِّي فَإِنِّي قَرِيبٌ أُجِيبُ دَعْوَةَ الدَّاعِ إِذَا دَعَانِ فَلْيَسْتَجِيبُوا لِي وَلْيُؤْمِنُوا بِي لَعَلَّهُمْ يَرْشُدُونَ ) البقرة 186 ، كل هذه الآيات وغيرها تدل على حبه لنا وأنه يريد منا أن تعبده حق عبادته وتترك معصيته ومايبغضه واقرأ معي هذا الحديث العظيم من أحاديث المصطفى صلى الله عليه وآله وسلم ولنتدبر فيه : عن النبي صلى الله عليه وآله  وسلم ، فيما روى عن الله تبارك وتعالى أنه قال ” يا عبادي ! إني حرمت الظلم على نفسي وجعلته بينكم محرما . فلا تظالموا . يا عبادي ! كلكم ضال إلا من هديته . فاستهدوني أهدكم . يا عبادي ! كلكم جائع إلا من أطعمته . فاستطعموني أطعمكم . يا عبادي ! كلكم عار إلا من كسوته . فاستكسوني أكسكم . يا عبادي ! إنكم تخطئون بالليل والنهار ، وأنا أغفر الذنوب جميعا . فاستغفروني أغفر لكم . يا عبادي ! إنكم لن تبلغوا ضري فتضروني . ولن تبلغوا نفعي فتنفعوني . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم وإنسكم وجنكم . كانوا على أتقى قلب رجل واحد منكم . ما زاد ذلك في ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . كانوا على أفجر قلب رجل واحد . ما نقص ذلك من ملكي شيئا . يا عبادي ! لو أن أولكم وآخركم . وإنسكم وجنكم . قاموا في صعيد واحد فسألوني . فأعطيت كل إنسان مسألته . ما نقص ذلك مما عندي إلا كما ينقص المخيط إذا أدخل البحر . يا عبادي ! إنما هي أعمالكم أحصيها لكم . ثم أوفيكم إياها . فمن وجد خيرا فليحمد الله . ومن وجد غير ذلك فلا يلومن إلا نفسه ” رواه مسلم.

أرأيت كيف لاطفنا في مناداته لنا وهو المتكبر المتعال !

أرايت كيف بين لنا كيف أنه غير محتاج لنا بل نحن المحتاجون إليه !

أرأيت أنه ذو ملك عظيم لاينفد !

أرايت أنه ينبهنا لما ينفعنا ( إنما هي أعمالكم أحصيها لكم . ثم أوفيكم إياها ) ولكنا غافلون إلا من رحم الله !

أرأيت أنه أرجع الأمر في النهاية لك ياابن آدم فأنت الحكم على نفسك ( فلا يلومن إلا نفسه )!

     قال الشيخ السعدي رحمه الله في تفسير قوله تعالى ( ألا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ ) الملك 14: ومن معاني اللطيف ، أنه الذي يلطف بعبده ووليه ، فيسوق إليه البر والإحسان من حيث لا يشعر، ويعصمه من الشر من حيث لا يحتسب، ويرقيه إلى أعلى المراتب بأسباب لا تكون من [ العبد] على بال ، حتى إنه يذيقه المكاره ، ليتوصل بها إلى المحاب الجليلة ، والمقامات النبيلة.

قال ابن القيم رحمه الله في نونيته :

وهو اللطيف بعبده ولعبده *** واللطف في أوصافه نوعان

إدراك أسرار الأمور بخبرة *** واللطف عند مواقع الإحسان

فيريك عزته ويبدي لطفه *** والعبد في الغفلات عن ذا الشان

اللهم واجعلنا ممن يدرك لطف الله فيطيعه ولايعصيه ويلجأ إليه ولايتجافى عنه يارب العالمين .