هو أشد منهم قوة!

     يتعرض كثير منا إلى مواقف في حياته تجبره على الانصياع لرأي القوي فيها، سواء كان رأيه صحيحا أم خاطئا، مما يجعل الضعيف هنا يحس بالقهر والغبن والجبر على فعل شيء لا يريده وغير مقتنع به، فما هو الحل هنا؟ وكيف نردع صاحب القوة عن هذا الفعل (فرض رأيه)؟ إن الحل لهذا الأمر يكمن في استذكار صاحب القوة قوله تعالى: (فَأَمَّا عَادٌ فَاسْتَكْبَرُوا فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَقَالُوا مَنْ أَشَدُّ مِنَّا قُوَّةً أَوَلَمْ يَرَوْا أَنَّ اللَّهَ الَّذِي خَلَقَهُمْ هُوَ أَشَدُّ مِنْهُمْ قُوَّةً وَكَانُوا بِآيَاتِنَا يَجْحَدُونَ) [فصلت 15]، فكل قوي فوقه من هو أقوى منه، سواء كانت قوته في عضلاته فليذكر قوله صلى الله عليه وسلم: (ليس الشديد بالصرعة، إنما الشديد الذي يملك نفسه عند الغضب) [رواه البخاري 6114]، أو قوي في فكره وحجته فليذكر قوله صلى الله عليه وسلم: (إنما أنا بشر، وإنكم تختصمون إلي، ولعل بعضكم أن يكون ألحن بحجته من بعض، وأقضي له على نحو مما أسمع، فمن قضيت له من حق أخيه شيئا فلا يأخذ، فإنما أقطع له قطعة من النار) [رواه البخاري 6967]، فإذا ما ذكر هذا القوي بـ (هو أشد منهم قوة) وبحادثة ابن مسعود رضي الله عنه مع خادمه التي يقول فيها: كنت أضرب غلاما لي بالسوط، فسمعت صوتا من خلفي (اعلم  أبا مسعود!) فلم أفهم الصوت من الغضب، قال: فلما دنا مني، إذ هو رسول الله صلى الله عليه وسلم، فإذا هو يقول: (اعلم، أبا مسعود! اعلم، أبا مسعود!) قال: فألقيت السوط من يدي، فقال: (اعلم، أبا مسعود! أن الله أقدر عليك منك على هذا الغلام)، قال: فقلت: لا أضرب مملوكا بعده أبدا. [رواه مسلم 1659]، فإنه سيرعوي بإذن الله عز وجل إذا كان ذا قلب سليم، وإليك أيها الضعيف جسديا وفكريا نقول: عليك بتنمية نفسك فـ (المؤمن القوي خير وأحب إلى الله من المؤمن الضعيف، وفي كل خير) [رواه مسلم 2664]، طور من نفسك وأعدها فنحن في زمن يحتاج فيه المؤمن إلى تطوير نفسه وإعدادها بسلاح الفكر والحجة، لأن الحرب الدائرة بين الكفر والإيمان حرب إعلامية فكرية في هذه الأيام، وإذا لم تصدقني فانظر لشباب المسلمين ومايلبسون؟ تجد أن هناك من الماركات العالمية التي على صدورهم ما هم غافلون عنها وهي تدعوا للكفر أو الفسق! بل إذا أردت أن تشتري شيئا فإنك تتعب في الحصول على شيء لايحتوي على شيء من ذلك لانتشارها وغفلة الناس عنها، كذلك تجد كثيرا من شباب المسلمين لايعلمون عن عقيدتهم ودينهم شيئا سوى اسمه؛ وفي المقابل يحفظون اسم كل لاعب أو مغن! وهذا من الغفلة العظيمة الخطيرة، وقد نهانا جل وعلا عن الغفلة فقال: (وَاذْكُرْ رَبَّكَ فِي نَفْسِكَ تَضَرُّعًا وَخِيفَةً وَدُونَ الْجَهْرِ مِنَ الْقَوْلِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ وَلَا تَكُنْ مِنَ الْغَافِلِينَ) [رواه الأعراف 205]، وأمر صلى الله عليه وآله وسلم أصحابه بالتحول من مكان الغفلة في أحد الغزوات عندما ناموا عن صلاة الصبح حتى طلعت عليهم الشمس فقال: (تحولوا عن مكانكم الذي أصابتكم فيه الغفلة) فأمر بلالا فأذن وأقام وصلى. [صحيح أبي داود 436]؛ ثم احرص على حسن الخلق فإنه ما عولجت المشاكل ولا انتهت بمثل حسن الخلق عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: كنت أمشي مع رسول الله صلى الله عليه وسلم وعليه برد نجراني غليظ الحاشية، فأدركه أعرابي فجبذ بردائه جبذة شديدة، قال أنس: فنظرت إلى صفحة عاتق النبي صلى الله عليه وسلم وقد أثرت فيها حاشية الرداء من شدة جبذته، ثم قال: يا محمد مر لي من مال الله الذي عندك، فالتفت إليه فضحك، ثم أمر له بعطاء. [رواه البخاري 6088]، فانظر إلى حسن خلق النبي صلى الله عليه وآله وسلم وكيف أنهى الموقف بابتسامة وأعطى الأعرابي ما يريد! وتخيل معي لو أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم قام بجذب الأعرابي نحوه بنفس قوة جذبته تلك ألم تكن معركة بينهما؟ وحينها سيكره الأعرابي هذا النبي صلى الله عليه وآله وسلم ويترك دينه، ولكن المصطفى علمنا درسا مهما من ذلك وهو أن القوة لاتدرأ بالقوة في جميع الأحيان وأنه (ما كان الرفق في شيء قط إلا زانه، ولا كان الخرق في شيء قط إلا شانه وإن الله رفيق يحب الرفق) [صحيح الترغيب 2672]، فالإنسان الأخرق هو الذي فيه حماقة وتهور واندفاع وطيش وعنف؛ فاحرص على الرفق وابتعد عن  الخرق، وتذكر دائما إذا كنت قويا في عضلاتك أو فكرك وحجتك (هو أشد منهم  قوة)، جعلنا الله وإياكم من الرفيقين بالناس المستنيرين بهدي خير البشر صلى الله عليه وآله وسلم.