إن من الناس من ينشغل في حياته حتى تصبح عنده هما كبيرا يجب أن يتابعه ليل نهار ، فيصحو من يقظته بعد سنين عجاف مرت عليه قد أضاعها في هموم لا تنتهي ، فأصبحت حياته بالنسبة إليه سوداء مظلمة لم يستفد منها شيئا غير ماتابعه مما لايحتاج إليه في حقيقة الأمر ، وهي في أغلبها أمور آنية لاتحتاج التفكير في كيفية انجازها لتوفرها وكثرتها !
فيما نجد أن آخرين قد علموا أن الحياة إنما هي متاع الغرور وأنه يجب أن لايضيع حياته في قيل وقال وكثرة السؤال وإضاعة المال مما حذرنا منه صلى الله عليه وسلم فتصبح حياته هما بالنسبة إليه بل يحرص هؤلاء على أن ينجزوا الأمور في أقل الأوقات وأن لاينشغلوا في الترهات والسفاسف من الأشياء حتى يتحقق حب الله عزوجل لأعمالهم كما قال صلى الله عليه وسلم : ” إن الله تعالى يحب معالي الأمور ، و أشرافها ، و يكره سفسافها “. السلسلة الصحيحة 1627 ومانجده في واقعنا مما أشغل الكثير من الناس هو النوع الأول للهم ، إذ لو ذهبت إلى أي مكان لسمعت الشكاوى والآهات تنطلق ممن هم في المكان ذاك ولسمعت التحسر و( التحلطم ) على ماهم فيه من وضع ولو أنهم رأوا ما يفعلون لوجدوا أنهم هم المخطئون ؛ وهم السبب الحقيقي في هذه الآهات والحسرات ولنضرب مثالا واحدا فقط على ذلك :
إذا كنت تسير في الشارع بسيارتك ورأيت زحمة أمامك ألا ترى أن هناك من يضيق صدره عن الانتظار و يتجاوزونك عن طريق السير في حارة الأمان مما يسبب زيادة الازدحام ؟
هل هذا الشخص لو ذهب إلى أوربا سيقوم بنفس الفعل من تجاوز من أمامه والسير على حارة الأمان ؟
أظن الأمر اتضح لك ، كثيرا هم الذين ينتقدون الواقع ! ولكن أين هم هؤلاء من إصلاحه ؟ لهؤلاء نقول :
لا تنه عن خلق وتأتي مثله … عار عليك إذا فعلت عظيم
كم تجاوزنا أناس عن طريق الواسطة في أدوارنا التي نستحقها بكل مكان نذهب إليه ؟
كم أخل موظف بحق المسلم الذي أمامه واغتصب دوره بإعطاه لقريبه أو زميله ؟
قال صلى الله عليه وسلم : ” من اقتطع حق امرئ مسلم بيمينه ، فقد أوجب الله له النار ، وحرم عليه الجنة ” . فقال له رجل : وإن كان شيئا يسير ، يا رسول الله ؟ قال :” وإن قضيبا من أراك ” رواه مسلم 137 .
ألا يخشى من يتجاوز أدوار الناس أن يقع في مثل هذا الجرم فيحصل على هذا العقاب والعياذ بالله ؟!
أليس الذي يجلس في دوره إنسان يجب له الاحترام والتقدير كما يجب لغيره من الناس ؟
ألا يملك هذا الذي ينتظر دوره من الأعمال ما لو أخره عنها المغتصب لحقه لتراكمت عليه ؟
عن سهل بن سعد الساعدي رضي الله عنه أن رسول الله صلى الله عليه وسلم أتي بشراب فشرب منه ، وعن يمينه غلام ، وعن يساره الأشياخ ، فقال للغلام : ( أتأذن لي أن أعطي هؤلاء ) . فقال الغلام : والله يا رسول الله ، لا أوثر بنصيبي منك أحدا . قال : فتله رسول الله صلى الله عليه وسلم في يده . رواه البخاري 2451 . يعني وضعه في يد الغلام.
عجيب هذا الموقف صغير يقدم على أشياخ ( هم كبار الصحابة كأبي بكر وعمر رضي الله عنهما ) لأنه أحق في الدور وإقامة السنة منهم ، فرفض أن يتنازل عن دوره فكان له كل الاحترام والتقدير وأخذ دوره كما ينبغي !
فليع هذا كل موظف يتق الله عز وجل في عمله وليبعد المحسوبية والواسطة في أخذ واغتصاب الحقوق من الناس .
عافانا الله وجميع المسلمين من اقتطاع حق امرئ مسلم ووفقنا جميعا لما يحب ويرضى .