كلهم هكذا!

هل رأيت يوما ما في حياتك شخصا يخالف شرع الله عز وجل كأن يسرق أو يغش أو يخون أمانته وخاصة إذا كان مسؤولا من المسؤولين ثم نبهته على هذا الأمر فقال لك ( كلهم هكذا ! ) يقصد من هو مثله في المنصب أو العمل أو فوقه ؟

     رأيت منذ زمن شخصا يأتي كل يوم متأخرا عن العمل حتى يخرج الوقت المحدد للتوقيع ولكنه يكتب أنه حضر في الساعة الثامنة فقلت له : يا أخي هذا لايجوز في شرع الله ويعد كذبا وغشا . قال ( كلهم هكذا ) . يعني أن الوزارة كلها هكذا فما المانع أن يكون هو بهذه الصورة !

فقلت له : وهل إذا سرقت الوزارة كلها تسرق ؟ فتوقف ولم يستطع الرد !

     وقس على ذلك أخي الكريم أختي الكريمة ما تشاء فهناك صور من الانتفاع بالمناصب وخيانة الأمانة التي تحملها صاحب المسؤولية أمام الله تعالى كبعض الوزراء والوكلاء والوكلاء المساعدون والمدراء والمراقبون ورؤساء الأقسام بل حتى الموظفون . وهناك صور للغش التجاري من بعض أصحاب المحلات والتجار وغيرهم . وهناك صور من السرقات الفردية والجماعية على المستوى الشخصي أو المجتمعي فمن يسرق شخصا ليس كمن يسرق مجتمعا شتان بينهما . مع أن الاثنين في حكم الشرع سارق.

وحجة هؤلاء جميعهم التي تكاد يتفق عليها بينهم هي ( كلهم هكذا ) !!!

أقول لكل من كانت هذه حجته :

من هم كلهم ؟

هل أبوك وأمك منهم ؟

هل أخوك وأختك منهم ؟

هل ابنك وبنتك منهم ؟

هل زوجتك منهم ؟

هل أصدقاؤك منهم ؟

هل أقاربك وأرحامك منهم ؟

هل جيرانك منهم ؟

هل وهل وهل ؟؟؟

     إنها كلمة باطلة ومنكرة بدليل قول الله تعالى : ( وَلَا تَزِرُ وَازِرَةٌ وِزْرَ أُخْرَىٰ  ) فاطر 18 ، وقوله جل وعلا : ( وَكُلُّهُمْ آتِيهِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَرْدًا ) مريم 95 ، فهل ستحاسب عنهم ؟ وهل سيحاسبون عنك يوم القيامة ؟ أم أنها رغبة وهوى نفسي تريد تحقيقه لذلك رضيت بمخالفة الشرع من أجل هواك وقد حذرنا جل وعلا من ذلك بقوله : ( فَإِنْ لَمْ يَسْتَجِيبُوا لَكَ فَاعْلَمْ أَنَّمَا يَتَّبِعُونَ أَهْوَاءَهُمْ وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّنِ اتَّبَعَ هَوَاهُ بِغَيْرِ هُدًى مِنَ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ (50)) القصص ، فاحذر أخي الكريم أختي الكريمة من هذه الكلمة . فليس ( كلهم هكذا ) بل فيهم الصالحون وفيهم دون ذلك ، وإذا أخذ كل منا بهذه الكلمة فسنهلك جميعا والعياذ بالله لأن الكل سيكونون من السراق والخونة والغشاشين في نظر بعضهم البعض ؛ وقد قالت زَيْنَبُ ابْنَةُ جَحْشٍ رضي الله عنها لرسول الله صلى الله عليه وآله وسلم : يَا رَسُولَ اللَّهِ أَنَهْلِكُ وَفِينَا الصَّالِحُونَ ؟ قَالَ : « نَعَمْ ، إِذَا كَثُرَ الْخبث » . رواه البخاري 3346 ، والخبث يكمن باتباع الهوى والابتعاد عن شرع الله عز وجل وتطبيق ( كلهم هكذا ) بنظرتها السلبية ، أما لو أخذنا هذه الكلمة بنظرتها الإيجابية في أن كلهم صالحون وكلهم دعاة وكلهم مسلمون وكلهم محسنون دخل هنا في قلوبنا حسن الظن وخوف الله جل وعلا ورؤية قصورنا تجاه ديننا وأماناتنا وسعينا لانجاز أعمالنا كما يرضي ربنا تعالى ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اجْتَنِبُوا كَثِيرًا مِنَ الظَّنِّ إِنَّ بَعْضَ الظَّنِّ إِثْمٌ ) المجادلة 12 .

     ولا نعني بهذه المقالة أن كل الناس صالحون ولا أن كل الناس فاسدون بل هناك الصالح وهناك الفاسد ولكن الأصل حسن الظن بالمسلمين . وإن رأيت خللا فقومه واسع لإصلاحه .

إن تجد عيبا فسد الخللا … جل من لا عيب فيه وعلا

وابدأ بنفسك وبمن تعول وادع غيرك ودع القافلة تسير .