خطبة عبادة جبر الخواطر!

خطبة عبادة جبر الخواطر

سنتحدث عن خلق كريم، وعبادة عظيمة، إنها عبادة جبر الخواطر، وجبر الخواطر يا عباد الله يدل على سمو نفس، وعظمة قلب، وسلامة صدر، ورجاحة عقل، يجبر المسلم فيه نفوسًا كُسرت، وقلوبًا فُطرت، وأجسامًا أرهقت، وأشخاصًا أرواح أحبابهم أزهقت، فما أجمل هذه العبادة وما أعظم أثرها.

    ومن أسماء الله الحسنى (الجبار) فهو سُبْحَانَهُ (الذِي يَجْبُرُ الفَقرَ بِالغِنَى، والمرَضَ بِالصِحَّةِ، والخَيبَةَ والفَشَلَ بالتَّوْفِيقِ والأَمَلِ، والخَوفَ والحزنَ بالأَمنِ والاطمِئنَانِ، فَهُوَ جَبَّارٌ مُتصِفٌ بِكَثْرَةِ جَبْرِهِ حَوَائِجَ الخَلَائِقِ). [تفسير أسماء الله للزجاج (ص:34)].

     وفي هذا الزمان تشتد الحاجة إلى مواساة الناس والتخفيف عنهم وتطييب خاطرهم؛ ففي مجتمعاتنا ترى ذاك مسكين، وهذا يتيم، والآخر عليه ديون وغم وهم، وهذا لا يجد وظيفة، وهذا لا يستطيع زواجًا، وذاك مريض والآخر مبتلى، والهموم كثيرة. وتطييب الخاطر لا يحتاج إلى جُهد كثير، فربما يكفي كلمة من ذكر، أو دعاء، أو موعظة، أو قضاء حاجة، ويكتفي البعض الآخر بابتسامة، فعلينا أن نجتهد بإدخال الفرح والسرور إلى قلوب إخواننا ولا نبخل على أنفسنا، فالصدقة والخير نفعه يعود إليك، قال صلى الله عليه وسلم: «كلُّ معروفٍ صدقةٌ وإن من المعروفِ أن تَلْقَى أخاك بوجهٍ طَلْقٍ وأن تُفْرِغَ من دَلْوِكَ في إناءِ أَخِيكَ» [رواه الترمذي].

     وعنه صلى الله عليه وسلم قال: «أَحبُّ الأعمالِ إلى اللهِ عزَّ وجلَّ سرورٌ تُدخِلُه على مسلمٍ، أو تَكشفُ عنه كُربةً، أو تطرد عنه جوعًا، أو تقضي عنه دَيْنًا» [صحيح الرغيب (955)].

     وقد جبر الله تعالى قلب يوسف عليه السلام؛ لأنه ظلم وأوذي من أخوته والمظلوم يحتاج إلى جبر خاطر، فقال تعالى: ﴿فَلَمَّا ذَهَبُواْ بِهِ وَأَجْمَعُواْ أَن يَجْعَلُوهُ فِي غَيَابَةِ الْجُبِّ وَأَوْحَيْنَا إِلَيْهِ لَتُنَبِّئَنَّهُم بِأَمْرِهِمْ هَـذَا وَهُمْ لاَ يَشْعُرُونَ﴾ [يوسف:15]، أي: وأوحينا إلى يوسف لتخبرنَّ إخوتك، بفعلهم هذا الذي فعلوه بك وهم لا يعلمون ولا يدرُون. [جامع التأويل للطبري]، ورسول الله صلى الله عليه وسلم الذي أحب مكة التي ولد فيها ونشأ أُخرج منها ظلمًا، فاحتاج في هذا الموقف الصعب وهذا الفراق الأليم إلى شيء من المواساة والصبر، وجبر الخاطر فأنزل الله تعالى عليه: ﴿إِنَّ الَّذِي فَرَضَ عَلَيْكَ الْقُرْآنَ لَرَادُّكَ إِلَى مَعَادٍ قُل رَّبِّي أَعْلَمُ مَن جَاء بِالْهُدَى وَمَنْ هُوَ فِي ضَلَالٍ مُّبِينٍ﴾ [القصص:85]، سيردك إلى موطنك مكة عزيزًا منتصرًا وهذا ما حصل في فتح مكة.

     ولنقرأ قوله تعالى: ﴿فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلَا تَقْهَرْ * وَأَمَّا السَّائِلَ فَلَا تَنْهَرْ﴾ [الضحى:9-10]، فلا تقهر اليتيم، ولا تذله، بل طيب خاطره، وأحسن إليه، وتلطف به، وكذلك السائل لا تنهره وطيب خاطره، عن ابن أم مكتوم رضي الله عنه وكان أعمى جاء للنبي صلى الله عليه وسلم سائلا مستفسرًا، وكان عليه الصلاة والسلام منشغلاً بدعوة بعض صناديد قريش، فأعرض عنه، فأنزل الله: ﴿عَبَسَ وَتَوَلَّى* أَنْ جَاءَهُ الْأَعْمَى* وَمَا يُدْرِيكَ لَعَلَّهُ يَزَّكَّى* أَوْ يَذَّكَّرُ فَتَنْفَعَهُ الذِّكْرَى﴾ [عبس:1 – 4].

    قال القرطبي في تفسيره: فعاتبه الله على ذلك؛ لكي لا تنكسر قلوبُ أهل الإيمان. [تفسير القرطبي (20/213)].

     وعندما جاء فقراء المهاجرين مكسوري الخاطر وقالوا: يَا رَسُولَ اللهِ، ذَهَبَ أَهْلُ الدُّثُورِ بِالْأُجُورِ، يُصَلُّونَ كَمَا نُصَلِّي، وَيَصُومُونَ كَمَا نَصُومُ، وَيَتَصَدَّقُونَ بِفُضُولِ أَمْوَالِهِمْ، قَالَ: «أَوَلَيْسَ قَدْ جَعَلَ اللهُ لَكُمْ مَا تَصَّدَّقُونَ؟ إِنَّ بِكُلِّ تَسْبِيحَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَكْبِيرَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَحْمِيدَةٍ صَدَقَةً، وَكُلِّ تَهْلِيلَةٍ صَدَقَةً، وَأَمْرٌ بِالْمَعْرُوفِ صَدَقَةٌ، وَنَهْيٌ عَنْ مُنْكَرٍ صَدَقَةٌ، وَفِي بُضْعِ أَحَدِكُمْ صَدَقَةٌ»، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللهِ، أَيَأتِي أَحَدُنَا شَهْوَتَهُ وَيَكُونُ لَهُ فِيهَا أَجْرٌ؟ قَالَ: «أَرَأَيْتُمْ لَوْ وَضَعَهَا فِي حَرَامٍ أَكَانَ عَلَيْهِ فِيهَا وِزْرٌ؟ فَكَذَلِكَ إِذَا وَضَعَهَا فِي الْحَلَالِ كَانَ لَهُ أَجْرٌ» [رواه مسلم].

     وحتى الأطفال كان يجبر خاطرهم رسول الله صلى الله عليه وسلم فعن أنس رضي الله عنه قال: كان لي أخ يقال له: أبو عمير .. فكان إذا جاء رسول الله صلى الله عليه وسلم فرآه قال: «يا أبا عمير، ما فعل النغير؟» [رواه مسلم].

فكان صلى الله عليه وسلم يجبر خاطر الطفل الصغير فيسأله عن عصفوره الذي مات وقد كان يلاعبه، لَمَّا بلَغَه حُزنُ الصَّغيرِ على مَوتِ هذا الطائِرِ.

أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…

الخطبة الثانية:

     إنه عليه الصلاة والسلام جبر بخواطرنا نحن الذين نحبه ونشتاق إليه ونتمنى لو كنا إلى جانبه نذود عنه وننافح عن دعوته، فعَنْ أَبِي هُرَيْرَةَ رضي الله عنه، أَنَّ رَسُولَ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ أَتَى الْمَقْبَرَةَ فَقَالَ: «السَّلَامُ عَلَيْكُمْ دَارَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ، وَإِنَّا إِنْ شَاءَ اللهُ بِكُمْ لَاحِقُونَ ووَدِدْتُ أَنَّا قَدْ رَأَيْنَا إِخْوَانَنَا» قَالُوا: أَوَلَسْنَا إِخْوَانُكَ يَا رَسُولَ اللهِ؟ قَالَ: «بَلْ أَنْتُمْ أَصْحابِي، وَإِخْوَانُنَا لَمْ يَأْتُوا بَعْدُ» [رواه مسلم].

     وجبر الخاطر ينحفر في الذاكرة فلا ينساه المجبور، فلم ينس النبي عليه الصلاة والسلام موقف المطعم بن عدي حين أدخله في جواره يوم عودته من الطائف حزينًا أسيفًا فقال يوم أُسر أَسرى بدر: «لو كان المطعم بن عدي حيًا وكلمني في هؤلاء النتنى لأجبته فيهم» [رواه البخاري].

     فانظر إلى جبر الخاطر وكيف لم ينس هذا الموقف النبي صلى الله عليه وسلم.