خطبة جددوا إيمانكم
عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكُمْ كَما يَخلَقُ الثّوبُ، فاسْألُوا اللهَ تعالَى: أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكمْ» [رواه الطبراني، والحاكم، وانظر الصحيحة (1585)].
الإيمان: الإيمان قول واعتقاد وعمل: قول باللسان واعتقاد بالجنان (القلب) وعمل بالأركان.
والإيمانُ يَزيدُ بالطاعاتِ ويَنْقُصُ بالمعاصي، وعلى المؤمِنِ أنْ يَحرِصَ على تجديدِ إيمانِه وزِيادتِه، وعن أبي الدرداء رضي الله عنه أنه قال: إن من فقه العبد أن يتعاهد إيمانه وما نقص منه، ومن فقه العبد أن يعلم أيزداد هو أم ينتقص، وأن من فقه الرجل أن يعلم نزغات الشيطان أنى تأتيه. [شرح أصول اعتقاد أهل السنة والجماعة: 1710].
نتحدث عن تجديد الإيمان في القلوب لأن القلوب قست، والأخلاق تدنت، والعلاقات تقطعت، والفواحش انتشرت، والآثام طغت، عند كثير من الناس، إلا من رحم الله منهم، كل ذلك لما ابتعدت القلوب عن علّام الغيوب، ونأت الأفهام عن التدبر في آيات الواحد العلّام، ﴿ظَهَرَ الْفَسَادُ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ بِمَا كَسَبَتْ أَيْدِي النَّاسِ لِيُذِيقَهُمْ بَعْضَ الَّذِي عَمِلُوا لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ[ [الروم:30]، فالإيمان سببٌ في لين القلوب ورفعة الأخلاق وصدق العلاقات في ما بين العبد وربه، وبين العبد ونفسه، وبين العبد والآخرين، وهو سبب أيضاً في دحر الشر، ورفع الظلم، ومحاربة الشرور والفساد بكل صوره.
ومن الأسباب التي جعلتنا نتحدث عن هذا الموضوع المهم وهو تجديد الإيمان في القلوب، أن الفتن والابتلاءات التي تحيط بنا من كل مكان لها أثر على القلب، فقد تكون سببًا في تشاؤمه وقُنوطه، أو في ضَعفه وشُروده، أو في انتكاسته وموته. نعوذ بالله من الحور بعد الكور.
كما يُرشِدُنا صلى الله عليه وسلم حيثُ يقولُ: (إنَّ الإيمانَ لَيَخْلَقُ في جَوْفِ أحدِكم)، أي: يَبْلَى ويَضْعُفُ في قَلْبِ المسْلِمِ، ويكونُ ذلك بسَببِ الفُتور في العِبادةِ أو ارتكابِ المعاصي وانغِماسِ النَّفسِ في بَعضِ شَهواتِها، قال صلى الله عليه وسلم: «لا يزني الزاني حين يزني وهو مؤمن، ولا يشرب الخمر حين يشربها وهو مؤمن، ولا يسرق السارق حين يسرق وهو مؤمن» [رواه البخاري، ومسلم].
فالإيمان يخلق (كما يَخْلَقُ الثَّوبُ)، أي: مِثْلَ الثَّوْبِ الجَديدِ الذي يَبْلى بطُولِ استخدامِهِ؛ (فاسْأَلوا اللهَ تعالى) بالدُّعاءِ والأعْمالِ الصَّالحةِ والقِيامِ بالفرائضِ وأعمال التطوُّعِ التي تَعمُرُ القَلبَ بالإيمانِ، والصَّدقاتِ والنفقةِ على المحتاجِينَ، والتَّفكُّرِ في آياتِ اللهِ الشرعيَّةِ والكونيَّةِ، وكَثرةِ الذِّكرِ والاستغفارِ ولُزومِ مَجالِسِ الذِّكرِ والعِلمِ، كما في الأثَرِ الذي ذَكَره ابنُ أبي شَيبةَ رحمه الله عن مُعاذِ بنِ جبلٍ رضِيَ اللهُ عنه، قال: «اجلسْ بنا نُؤمِنْ ساعةً»، يعني: نَذكُر اللهَ، (فاسْأَلوا اللهَ تعالى أنْ يُجَدِّدَ الإيمانَ في قُلوبِكم)، وتجديدُ الإيمانِ أنْ يعودَ إلى ما كان عليه ويَزيدَ، حَتَّى لَا يكونَ في القُلوب وَلَهٌ لغَيرِهِ وَلَا رَغْبَةٌ فِي سواهُ.
ويقول صلى الله عليه وسلم: «جدِّدوا إيمانَكُم» قالوا يا رسولَ اللَّهِ وَكَيفَ نجدِّدُ إيمانَنا؟ قالَ: «أَكْثِروا مِن قَولِ لا إلَهَ إلَّا اللَّهُ» [رواه أحمد واللفظ له، والبزار، والبيهقي وقال: رجال أحمد ثقات، وحسن إسناده أحمد شاكر].
فالوصية: أن نكثر من التهليل بنية تجديد الإيمان، فمن سيلبي النداء ليُعتق من النيران؟
عن أنس بن مالك رضي الله عنه قال: سمع النبيُّ صلى الله عليه وسلم رجلا وهو في مسير له يقول: الله أكبر، الله أكبر، فقال نبي الله صلى الله عليه وسلم: «على الفطرة» قال: أشهد أن لا إله إلا الله قال: «خرج من النار»، فاستبق القوم إلى الرجل، فإذا راعي غنم حضرته الصلاة فقام يؤذن. [صحيح ابن خزيمة (399)].
فاللهم أجرنا من النار وارزقنا الجنة وما قرب إليها من قول وعمل يا رب العالمين.
أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه…
الخطبة الثانية:
قال ابن القيم رحمه الله: شجرة الإيمان في القلب، أصلها ثابت وفرعها في السماء، أصلها ثابت التوحيد ومعرفة الله خوفًا ورجاء ومحبة، أصلها في القلب، وفرعها في السماء، الأعمال الصالحة طاعة صاعدة … قال: والشجرة لا تبقى حية إلا بمادة تُسقيها وتُنميها، فإذا قَطعتَ السقي أوشك أن تيبس، فهكذا شجرة الإسلام في القلب إن لم يَتعاهدها صاحبها… بسقيها كل وقت بالعلم النافع، والعمل الصالح … وإلا أوشك أن تيبس. [إعلام الموقعين: 1/174].
قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إنَّ العبدَ إذا أخطَأَ خَطِيئَةً، نُكِتَتْ في قلبِه نُكتةٌ سَوداءُ، فإنْ هو نَزَعَ واسْتغفرَ وتابَ صُقِلَ قلْبُهُ، وإنْ عادَ زِيدَ فيها حتى تَعلُو على قلبِهِ، وهُوَ الرَّانُ الذي ذكر اللهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ ما كَانُوا يَكْسِبُونَ[» [صحيح الجامع الصغير (1670)].