خطبة الزلازل آيات وعبر
الحمد لله الملك المجيد، الفعال لما يريد له الحكمة البالغة فيما يُبدئ ويعيد، وله الحمد الكامل والغنى التامُ وهو الحكيم الرشيد، وأشهد أن لا إله إلا الله، وحده لا شريك له في خلقه ورزقه وتدبيره، ولا معين له في خفضه ورفعه وعطائه ومنعه وتقديره، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، وخليله المبعوثُ بالحكمة والقرآن، اللهم صل على محمد وعلى آله وأصحابه والتابعين لهم بإحسان، وتابع عليهم بركاتك ورحمتك ما دامت الأوقات والأزمان وسلم تسليمًا كثيرًا.
﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنتُم مُّسْلِمُونَ﴾ [آل عمران:102]. أما بعد فيا عباد الله إن الزلازل تدل على ألوهيته سبحانه وربوبيته ووحدانيته، وتدل على جبروته وقوته عز وجل، ﴿وَمَا قَدَرُوا اللَّهَ حَقَّ قَدْرِهِ وَالْأَرْضُ جَمِيعًا قَبْضَتُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَالسَّمَاوَاتُ مَطْوِيَّاتٌ بِيَمِينِهِ سُبْحَانَهُ وَتَعَالَىٰ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾ [الزمر:67].
والزلازل علامة وتذكير بالزلزلة العظيمة القادمة يوم القيامة: قال صلى الله عليه وسلم: «لَا تَقُومُ السَّاعَةُ حتَّى يُقْبَضَ العِلْمُ، وتَكْثُرَ الزَّلَازِلُ، ويَتَقَارَبَ الزَّمَانُ، وتَظْهَرَ الفِتَنُ، ويَكْثُرَ الهَرْجُ – وهو القَتْلُ القَتْلُ – حتَّى يَكْثُرَ فِيكُمُ المَالُ فَيَفِيضَ» [رواه البخاري].
وقال تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ اتَّقُوا رَبَّكُمْ إِنَّ زَلْزَلَةَ السَّاعَةِ شَيْءٌ عَظِيمٌ﴾ [الحج:1].
والزلازل آية من آيات الله تعالى يصيب بها من يشاء من عباده. ونصوص القرآن والسُّنة تدل على أن البلاء الذي يصيب المؤمن قد يكون تكفيرًا لسيئاته، وقد يكون رفعًا لدرجاته، وزيادة في حسناته عند الله تعالى، وقد يكون تمحيصًا له، وتمييزًا للصادق من المنافق، وليس لابن آدمَ سبيلٌ للجزم بأن البلاء الواقع عليه هو لتكفير الخطايا، ومحو الذنوب والسيئات، أم إنه ابتلاء لتمحيص العبد، ورفع درجاته، وزيادة حسناته؛ لأنه من الغيب الذي لا يعلمه إلا الله. [الشبكة الإسلامية (284614)].
قال الشاعر: جزى الله الشدائد كل خير … وإن كانت تغصصني بريقـي
وما شُكري لها إلا لأني … عرفت بها عدوي من صديقي
وقال جل وعلا: ﴿وَمَا نُرْسِلُ بِالْآيَاتِ إِلَّا تَخْوِيفًا﴾ [الإسراء:59]، قال الشيخ السعدي رحمه الله: أي: لم يكن القصد بها أن تكون داعية وموجبة للإيمان الذي لا يحصل إلا بها، بل المقصود منها التخويف والترهيب ليرتدعوا عن ما هم عليه. [تيسير الكريم الرحمن].
والزلازل يا عباد الله منها المعنوية والحسية، قال الشيخ ابن عثيمين رحمه الله: المراد بالزلازل زلازل الأرض، تكثر زلازل الأرض في المكان القريب والبعيد، ويمكن أن يقال الزلازل تشمل الزلازل المعنوية التي تكون بالأفكار الرديئة المنحرفة تُنشر فيأتي الفكرُ الخبيثُ ويأتي ما هو أخبث منه وما هو أشر. [شرح البخاري-كتاب الجمعة والعيدين -شريط 10 وجه A].
يا عبد الله إياك والأمن من مكر الله، ﴿أَفَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا بَيَاتًا وَهُمْ نَائِمُونَ * أَوَأَمِنَ أَهْلُ الْقُرَىٰ أَن يَأْتِيَهُم بَأْسُنَا ضُحًى وَهُمْ يَلْعَبُونَ * أَفَأَمِنُوا مَكْرَ اللَّهِ ۚ فَلَا يَأْمَنُ مَكْرَ اللَّهِ إِلَّا الْقَوْمُ الْخَاسِرُونَ﴾ [الأعراف:97-99].
فإن من أمن من عذاب اللّه، فهو لم يُصدق بالجزاء على الأعمال، ولا آمن بالرسل حقيقة الإيمان. وهذه الآية الكريمة فيها من التخويف البليغ، على أن العبد لا ينبغي له أن يكون آمنا على ما معه من الإيمان. بل لا يزال خائفًا وجلا أن يُبتلى ببلية تَسلُبُ ما معه من الإيمان، وأن لا يزال داعيًا بقوله: «يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك» وأن يعمل ويسعى، في كل سبب يُخلصه من الشر، عند وقوع الفتن، فإن العبد – ولو بلغت به الحال ما بلغت – فليس على يقين من السلامة. [تيسير الكريم الرحمن].
ولم يثبت دعاءٌ عن النبي صلى الله عليه وسلم عند الزلازل. [بتصرف من فتح الباري (كتاب الاستسقاء-باب ما قيل في الزلازل والآيات].
فالواجب على جميع المكلفين من المسلمين وغيرهم، التوبة إلى الله عز وجل، والاستقامة على دينه، والحذر من كل ما نهى عنه من الشرك والمعاصي، حتى تحصل لهم العافية والنجاة في الدنيا والآخرة من جميع الشرور، وحتى يدفع الله عنهم كل بلاء، ويمنحهم كل خير، كما قال عز وجل: ﴿وَلَوْ أَنَّ أَهْلَ الْقُرَى آمَنُوا وَاتَّقَوْا لَفَتَحْنَا عَلَيْهِمْ بَرَكَاتٍ مِنَ السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ وَلَكِنْ كَذَّبُوا فَأَخَذْنَاهُمْ بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾ [الأعراف:96]، [فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله].
ومن أسباب العافية والسلامة من كل سوء: مبادرة ولاة الأمور بالأخذ على أيدي السفهاء، وإلزامهم بالحق وتحكيم شرع الله فيهم والأمر بالمعروف والنهي عن المنكر كما قال عز وجل: ﴿وَالْمُؤْمِنُونَ وَالْمُؤْمِنَاتُ بَعْضُهُمْ أَوْلِيَاءُ بَعْضٍ يَأْمُرُونَ بِالْمَعْرُوفِ وَيَنْهَوْنَ عَنِ الْمُنْكَرِ وَيُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكَاةَ وَيُطِيعُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ سَيَرْحَمُهُمُ اللَّهُ إِنَّ اللَّهَ عَزِيزٌ حَكِيمٌ﴾ [التوبة:71]. [فتوى الشيخ ابن باز رحمه الله].
وقال صلى الله عليه وسلم: «فإذا رَأَيْتُمْ ذلكَ، فادْعُوا اللَّهَ، وكَبِّرُوا وصَلُّوا وتَصَدَّقُوا» [رواه البخاري]، ويستحب أيضا رحمة الفقراء والمساكين والصدقة عليهم، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «ارحموا من في الأرض يرحمكم من في السماء» [رواه أبو داود والترمذي]. أقول قولي هذا وأستغفر الله لي ولكم فاستغفروه يغفر لكم…
الخطبة الثانية:
الحمد لله حق حمده والصلاة والسلام على من لا نبي بعده وبعد، اتقوا الله عباد الله، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَنْ أَصْبَحَ مِنْكُمْ آمِنًا فِي سِرْبِهِ، مُعَافًى فِي جَسَدِهِ، عِنْدَهُ قُوتُ يَوْمِهِ، فَكَأَنَّمَا حِيزَتْ لَهُ الدُّنْيَا» [رواه البخاري في الأدب المفرد (300)]. فاشكروا الله عز وجل على نعمه الغزيرة واحمدوه عليها، واعلموا أنه بالشكر تدوم النعم، وللشكر أركان ثلاثة، أن تعترف بنعمة الله عليك، وأن تحمده وتشكره عليها، وأن تستخدمها في طاعته، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَن قالَ حين يصبحُ اللَّهمَّ ما أصبَحَ بي من نعمةٍ أو بأحدٍ من خلقِكَ فمنكَ وحدكَ لا شريكَ لكَ فلكَ الحمدُ ولكَ الشُّكرُ فقد أدَّى شُكرَ يومِهِ، ومن قالَ ذلكَ حين يُمسي فقد أدَّى شُكرَ ليلتِهِ» [الترغيب والترهيب (1/309) وحسن إسناده ابن حجر في نتائج الأفكار (2/380)].
وعلينا بنصرة إخواننا المنكوبين في تركيا وسوريا، قَالَ رَسُولُ اللهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: «مَثَلُ المُؤْمِنِينَ في تَوادِّهِمْ، وتَراحُمِهِمْ، وتَعاطُفِهِمْ مَثَلُ الجَسَدِ إذا اشْتَكَى منه عُضْوٌ تَداعَى له سائِرُ الجَسَدِ بالسَّهَرِ والْحُمَّى». [رواه مسلم].
وقال: «كلُّ امرئٍ في ظِلِّ صَدَقَتِه حتى يُقْضَى بين الناسِ» [صحيح الترغيب (872)].
ولندع لهم بأن يفرج الله عنهم ما هم فيه، وأن يحفظهم، ويرحم موتاهم، ويشفي مرضاهم، «ما مِن عَبْدٍ مُسْلِمٍ يَدْعُو لأَخِيهِ بظَهْرِ الغَيْبِ، إلَّا قالَ المَلَكُ: وَلَكَ بمِثْلٍ». [رواه مسلم]، والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «من رأى مبتلًى فقالَ الحمدُ للَّهِ الَّذي عافاني ممَّا ابتلاَكَ بِهِ وفضَّلني على كثيرٍ ممَّن خلقَ تفضيلاً لم يصبْهُ ذلِكَ البلاءُ» [صحيح الترمذي (3432)]. (الدعاء).