خطبة إن الله يأمر بالعدل والإحسان

خطبة (إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ)

    قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ [النحل:90].

     عن ابن مسعود رضي الله عنه قال: إن أجمع آية في القرآن في سورة النحل: (إن الله يأمر بالعدل والإحسان) الآية. [رواه ابن جرير].

    وهذه الآية أيها الأحباب الكرام كانت سببًا في إسلام عثمان بن مظعون رضي الله عنه، مر عثمان بن مظعون حينما كان مشركًا بالنبي صلى لله عليه وسلم، فقال له رسول الله صلى الله عليه وسلم: «ألا تجلس؟» فقال: بلى. فجلس رسول الله صلى الله عليه وسلم مستقبله، فبينما هو يحدثه إذ رفع رسول الله صلى الله عليه وسلم بصره إلى السماء، فنظر إلى السماء ثم أنزل بصره يمينًا جهة الأرض، ثم انحرف رسول الله صلى الله عليه وسلم عن جليسه عثمان إلى حيث ينظر وأخذ يحرك رأسه كأنه يحاول أن يفقه ما يقال له، وابن مظعون ينظر فلما انتهى، نظر رسول الله صلى الله عليه وسلم إلى السماء. ثم أقبل إلى عثمان فقال عثمان: يا محمد، ما رأيتك تفعل كفعلك، قال: «وما رأيتني فعلت؟» قال: رأيتك شخص بصرك إلى السماء ثم وضعته حيث وضعته على يمينك، فتحرفت إليه وتركتني، فأخذت تنغض رأسك كأنك تستفقه شيئًا يُقال لك. قال: «وفطنت لذلك؟» فقال عثمان: نعم. قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «أتاني رسول الله آنفا وأنت جالس». قال: رسول الله؟ قال: «نعم». قال: فما قال لك؟ قال: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالْإِحْسَانِ وَإِيتَاءِ ذِي الْقُرْبَىٰ وَيَنْهَىٰ عَنِ الْفَحْشَاءِ وَالْمُنكَرِ وَالْبَغْيِ يَعِظُكُمْ لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ﴾ قال عثمان: فذلك حين استقر الإيمان في قلبي، وأحببت محمدًا صلى الله عليه وسلم. [بتصرف من رواية الإمام أحمد وهو حسن].

     وبلغ أكثم بن صيفي وكان مشركًا وسيدًا في قومه هذه الآية فقال: إني قد أراه يأمر بمكارم الأخلاق، وينهى عن ملائمها، فكونوا في هذا الأمر رءوسًا، ولا تكونوا فيه أذنابا. [رواه الحافظ أبو نعيم في كتابه (كتاب معرفة الصحابة)].

     فهل يعي ذلك المسلمون اليوم؟! كثير منهم إلا من رحم الله أصبح ذنبًا في الأخلاق لأهل الغرب والكفر والإلحاد، تركوا أخلاق الإسلام والتزموا بأخلاق من لا خلاق لهم، والله المستعان، إن العدل الذي أمر الله به يشمل العدل في حقه وفي حق عباده، فالعدل في ذلك أداء الحقوق كاملة موفرة بأن يؤدي العبد ما أوجب الله عليه من الحقوق مالية كانت أو بدنية، أو مالية بدنية، والعدل هو ما فرضه الله علينا في كتابه، وعلى لسان رسوله صلى الله عليه وسلم، وأمرنا بسلوكه، فالعدل واجب.

     والإحسان فضيلة مستحب وذلك كنفع الناس بالمال والبدن والعلم، وغير ذلك من أنواع النفع حتى إنه يدخل فيه الإحسان إلى الحيوان البهيم المأكول وغيره أجلكم الله.

قال صلى الله عليه وسلم: «إنَّ الله كتب الإحْسَان على كلِّ شيء» [رواه مسلم].

     وعن قتادة رحمه الله قال: ليس من خلق حسن كان أهل الجاهلية يعملون به ويستحسنونه إلا أمر الله به، وليس من خلق سيئ كانوا يتعايرونه بينهم إلا نهى الله عنه.

ولهذا جاء في الحديث عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «إنَّ اللهَ جميلٌ يحبُّ الجمالَ، ويحبُّ مَعاليَ الأمورِ، ويكرهُ سَفسافَها» [الصحيحة (4/167) وقال: إسناده لا بأس به في الشواهد].

     وخص الله إيتاء ذي القربى وإن كان داخلا في العموم لتأكد حقهم وتعيُّنِ صلتهم وبرهم، والحرص على ذلك، ويدخل في ذلك جميع الأقارب قريبهم وبعيدهم لكن كل ما كان أقرب كان أحق بالبر، قال صلى الله عليه وسلم: «الصَّدقةُ على المسْكينِ صدقةٌ، وعلى ذي القرابةِ اثنتان: صدقةٌ وصلةٌ» [صحيح ابن ماجه].

أقول قولي هذا واستغفر الله لي ولكم فاستغفروه

الخطبة الثانية:

     قال تعالى: (وَيَنْهَى عَنِ الْفَحْشَاءِ) فالفواحش: المحرمات. والمنكرات: ما ظهر منها من فاعلها؛ ولهذا قال تعالى في موضع آخر: (قُلْ إِنَّمَا حَرَّمَ رَبِّيَ الْفَوَاحِشَ مَا ظَهَرَ مِنْهَا وَمَا بَطَنَ) [الأعراف:33].

    والبغي كل عدوان على الخلق في الدماء والأموال والأعراض، قال صلى الله عليه وسلم: «ما من ذنبٍ أجدرُ أن يعجِّل اللهُ تعالى لصاحبه العقوبةَ في الدنيا، مع ما يدِّخر له في الآخرةِ مثل البغيِ وقطيعةِ الرحمِ» [رواه أبو داود].

     فصارت هذه الآية جامعة لجميع المأمورات والمنهيات لم يبق شيء إلا دخل فيها، فهذه قاعدة ترجع إليها سائر الجزئيات، فكل مسألة مشتملة على عدل أو إحسان أو إيتاء ذي القربى فهي مما أمر الله به.

     وكل مسألة مشتملة على فحشاء أو منكر أو بغي فهي مما نهى الله عنه. ثم ختم تعالى بقوله: (يعظكم) أي: يأمركم بما يأمركم به من الخير، وينهاكم عما ينهاكم عنه من الشر، (لَعَلَّكُمْ تَذَكَّرُونَ) ما يعظكم به فتفهمونه وتعقلونه، فإنكم إذا تذكرتموه وعقلتموه عملتم بمقتضاه فسعدتم سعادة لا شقاوة معها.