إثبات الجدارة في زمن التلميع!

إن صاحب التميز والفهم السليم المنبثق عن خبرة وحصافة في عمله ليواجه في هذه الأيام صعوبة وحربا معنوية ومادية في إثبات جدارته ، وما ذاك إلا لاختلال مفهوم الجدارة عند كثير من الناس،  فذو الجدارة في هذه الأيام هو من يبرز في وسائل الإعلام المختلفة ، وإن كان هذا البروز في حقيقته دجل ودعوى باطلة وكذب على الناس ؛ في أنه قد عمل ولم يعمل ولم يتابع ، فحاله في حقيقة الأمر كحال المتشبع بما لم يعط الذي ورد في حديث رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم حينما جاءت امرأة إليه فقالت : إن لي ضرة . فهل علي جناح أن أتشبع من مال زوجي بما لم يعطني ؟ فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم ( المتشبع بما لم يعط ، كلابس ثوبي  زور ) رواه مسلم 2130 ، فالصحابية رضي الله عنها كانت تريد أن توحي لضرتها بأن زوجها قد أعطاها من ماله وهو في الحقيقة لم يعطها حتى توهم ضرتها بأن زوجها يحبها أكثر منها ولكنها لم ترد أن تتنازل عن جدارتها وتميزها وصدقها بالتشبع بما لم تعط حتى يقرها على ذلك رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم ، لكنه صلى الله عليه وآله وسلم نهاها عن ذلك وشبه هذا الفعل بمن يلبس ثياب الزور ، فهو في الظاهر جميل وفي الباطن قبيح مشين ، وصاحب الجدارة لجدارته وتميزه وصدقه مع الله تعالى أولا ثم مع الناس لا يريد أن يبرز بهذه الصورة المشينة ، ولكنه يسعى لإبراز الحقائق للناس كما هي من غير غش ولا خداع ولا تزوير ، والمحاربون له معنويا وماديا كثر لكثرة المنافع المتعلقة بين المتشبع بما لم يعط وهؤلاء المتزلفين المرتزقة الذين لا هم لهم سوى حصد الأموال ، ولصاحب الجدارة نقول عليك بالآتي في زمن التلميع هذا :

  • الإخلاص لله تعالى : فكلما تذكرت هذه الكلمة فلتذكر أن عملك وقولك لله لا لغيره    ومن لمح فجر الأجر هان عليه ظلام التكليف كما يقول الإمام ابن الجوزي رحمه الله ، كذلك لا يغرنك تقلب المرائين في البلاد ( متاع قليل ثم مأواهم جهنم وبئس المهاد ).
  • الاحتساب : أخي إن كنت تريد عرضا من الدنيا مقابل فعلك أو قولك فلن يكون لك نصيب في الآخرة من أجر هذا الفعل أو القول قال جل وعلا : ( مَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ وَمَنْ كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِنْ نَصِيبٍ (20) ) الشورى ، لذلك استشعر الاحتساب دائما في قولك وفعلك وكن كما قال أبو موسى الأشعري رضي الله عنه : ( أما أنا فأنام وأقوم ، فأحتسب نومتي كما أحتسب قومتي ) رواه البخاري 4344 .
  • مصابرة أهل الباطل والرياء : قال جل وعلا : ( يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا وَصَابِرُوا وَرَابِطُوا وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ (200) ) آل عمران ،  فصاحب الجدارة حين يرى هذه الحرب لا بد أن يصابرها وأن يقاومها وإلا سينهزم من أول جولة وسيكون انهزامه انهزاما معنويا قبل أن يكون انهزاما ماديا فليحذر من ذلك.
  • الاقتداء بالرسول صلى الله عليه وآله وسلم : فهاهو النبي صلى الله عليه وآله وسلم أجدر الجديرين وأميز المتميزين وأصدق الصادقين يحارب معنويا وماديا ، فقد حورب معنويا باتهام زوجته عائشة رضي الله عنها المطهرة بحادثة الإفك التي برأها الله منها من سابع سماء فقال : ( إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لَا تَحْسَبُوهُ شَرًّا لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ لِكُلِّ امْرِئٍ مِنْهُمْ مَا اكْتَسَبَ مِنَ الْإِثْمِ وَالَّذِي تَوَلَّىٰ كِبْرَهُ مِنْهُمْ لَهُ عَذَابٌ          عَظِيمٌ (11)) النور ، وأيضا ماذكرته عائشة رضي الله عنها بسؤالها له : هل أتى عليك يوم أشد من يوم أحد ؟ قال : لقد لقيت من قومك ما لقيت ، وكان أشد ما لقيت منهم يوم العقبة ، إذ عرضت نفسي على ابن عبد ياليل بن عبد كلال ، فلم يجبني إلى ما   أردت ، فانطلقت وأنا مهموم على وجهي ، فلم أستفق إلا وأنا بقرن الثعالب ، فرفعت رأسي ، فإذا أنا بسحابة قد أظلتني ، فنظرت فإذا فيها جبريل ، فناداني فقال : إن الله قد سمع قول قومك لك ، وما ردوا عليك ، وقد بعث الله إليك ملك الجبال ، لتأمره بما شئت فيهم ، فناداني ملك الجبال ، فسلم علي ، ثم قال : يا محمد ، فقال : ذلك فيما شئت ، إن شئت أن أطبق عليهم الأخشبين ؟ فقال النبي صلى الله عليه وسلم : ( بل أرجو أن يخرج الله من أصلابهم من يعبد الله وحده ، لا يشرك به شيئا ) رواه البخاري 3231 ، وحورب ماديا صلى الله عليه وآله وسلم بإخراجه من بلده الذي يحبه فقال :  ( والله إنك لخير أرض الله وأحب أرض الله إلى الله ولولا أني أخرجت منك ما خرجت ) رواه الترمذي وقال : حسن غريب صحيح.

فياصاحب الجدارة كن على جدارتك و لا تهتم بالتلميع وكن كالجبل الأشم لايلين للرياح العاتية ( فَأَمَّا الزَّبَدُ فَيَذْهَبُ جُفَاءً وَأَمَّا مَا يَنْفَعُ النَّاسَ فَيَمْكُثُ فِي الْأَرْضِ كَذَٰلِكَ يَضْرِبُ اللَّهُ الْأَمْثَالَ ) الرعد 17.