عن جَابِر – رضي الله عنهما – َقَالَ : « إِنَّا يَوْمَ الْخَنْدَقِ نَحْفِرُ فَعَرَضَتْ كُدْيَةٌ شَدِيدَةٌ ، فَجَاءُوا النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – فَقَالُوا هَذِهِ كُدْيَةٌ عَرَضَتْ فِي الْخَنْدَقِ ، فَقَالَ « أَنَا نَازِلٌ » . ثُمَّ قَامَ وَبَطْنُهُ مَعْصُوبٌ بِحَجَرٍ ، وَلَبِثْنَا ثَلاَثَةَ أَيَّامٍ لاَ نَذُوقُ ذَوَاقًا ، فَأَخَذَ النَّبِي – صلى الله عليه وسلم – الْمِعْوَلَ فَضَرَبَ ، فَعَادَ كَثِيبًا أَهْيَلَ أَوْ أَهْيَمَ » رواه البخاري في كتاب المغازي4151.
كدية : هي القطعة الصلبة الصماء من الأرض.
كثيبا أهيل أو أهيم : والمعنى أنه صار رملا يسيل ولا يتماسك .
في هذا الحديث العظيم من أحاديث الرسول صلى الله عليه وسلم عبرة وعظة لكل من تفكر به ، إنه يبين لنا أن الدنيا لاتسلم لأحد فكل يأخذ منها ماقدر له ، وهي يوم لك ويوم عليك ، ذلك أنه لابد من عقبات في الحياة تعترضك ياابن آدم .
ذكر لي الشيخ / محمد الأمير رحمه الله يوما أبياتا لأحمد شوقي إذ قال :
صغير ود لو كبرا **وشيخ ود لو صغرا
وخال ٍيشتهي عملا ***وذو عمل به ضجرا
ورب المال في تعب ***وفي تعب من افتقرا
وهم لو آمنوا باللـه رزاقا ومقتدرا
لما لاقوا الذي لا قـوه لاهما ولا كدرا
إذا هي الحياة فيها السهل والصعب والحلو والمر والطيب والخبيث ، فيها الألم والفرح والراحة والتعب وفيها وفيها وفيها …
وهاهو صلى الله عليه وسلم في جهاده للكفار مع أصحابه رضوان الله عليهم أجمعين تعترضهم أرض صلبة يابسة تحتاج لإزالة فينزل صلى الله عليه وسلم ويأخذ المعول ويضربها ضربة واحدة تزيل هذه العقبة فكيف حدث ذلك ؟ إنه توفيق من الله تعالى وإعانة منه جل وعلا لعبادة الصالحين .
أخي هل واجهتك أحد العقبات التالية في حياتك ؟
جهزت لأولادك يوما ممتعا ولم تتمتعوا به لضيق مر بك أو أمر أشغلك أو شيء طرأ فأفسد المتعة عليكم ؟
طلبت يوما من أحد أولادك طلبا ولم ينفذه لك ؟
ألقيت كلمة أو فعلت فعلا فلم يقبل منك ؟
دعوت الناس لفعل شيء ولم يطيعوك ؟
حاولت كشف حقيقة إنسان ما ولم توفق ؟
رسبت في الدراسة أو في مادة من المواد ؟
سعيت للحصول على منصب ( مدير ، وكيل ، وزير ، نائب …إلخ ) ولم توفق لذلك ؟
ووو … عقبات كثيرة لايمكن حصرها …
أخي إن مالابد من فهمه عند كثير من المسلمين اليوم أننا وإن بذلنا الأسباب جميعها فلن نستطيع إزالة العقبات التي أمامنا في هذه الحياة مالم نلجأ إلى رب الأرض والسماوات ، كيف لا ؟ وهو مدبر الأمور ومصرفها وهو خالقنا ورازقنا ومحيينا ومميتنا وإليه الأمر كله علانيته وسره ، به نحيا وبه نموت ، ونسأله جل وعلا الثبات حتى الممات . فيا أخي الحبيب عليك بإصلاح مابينك وبين الله تعالى حتى يزيل الله عزوجل مابينك وبين قضاء حوائجك وإخوانك وأولادك وأسرتك من عقبات تمنع تقبلهم لحاجتك ومحبتك ، وتذكر دائما قوله صلى الله عليه وسلم ( ثم يوضع له القبول في الأرض ) .
فالخلاص من عقبة عدم طاعة الأولاد لك هو بتطبيق ( وكان أبوهما صالحا ) .
والخلاص من عقبة عدم وصول الكلمة الهادفة وتقبلها عند الناس هو في تطبيق قاعدة ( قل إن صلاتي ونسكي ومحياي ومماتي لله رب العالمين لاشريك له وبذلك أمرت وأنا أول المسلمين ).
والخلاص من عقبة عدم استطاعة كشف الحقائق هو التخلص من داء الحسد وتفعيل قاعدة ( وأن تحب لأخيك ماتحبه لنفسك ) .
والخلاص من عقبة الرسوب في الدراسة هو في بر الوالدين فدعاؤهما مستجاب بإذن الله فهل بررتهما قبل الامتحان وفي يوم الامتحان وبعده ؟
والخلاص من عقبة السعي لمنصب دنيوي هو الانشغال بالآخرة عن الدنيا والحرص على الدين وتقديمه على أي أمر دنيوي وتفعيل قاعدة ( من كانت الآخرة همه جعل الله غناه في قلبه وجمع له شمله وأتته الدنيا وهي راغمة ، ومن كانت الدنيا همه جعل الله فقره بين عينيه ، وفرق عليه شمله ، ولم يأته من الدنيا إلا ما قدر له ) صحيح الترمذي 2465 .
وأخيرا ( أنا نازل ) تعني التواضع والاستقامة على الدين واتباع هدي خير المرسلين صلى الله عليه وسلم ، إنها تعني أن ينزل المسؤول من برجه العاجي ويتواضع ليرى أحوال موظفيه ويساهم في تحقيق مصالح العمل لا مصالح جيبه وعائلته وقبيلته!
إنها تعني أن يتواضع الوالد لسماع مشاكل ابنه وبنته وحلها بطريقة الحوار والتفاهم لا بطريقة جاءنا مايلي !
إنها تعني أن نتسامح فيما بيننا ونتغافر لا أن نتحارب ونتنافر فمن هو الذي ماغلط قط ومن له الحسنى فقط !
إنها تعني أن يغفر الزوج لزوجته والزوجة لزوجها ماقد أخطأ فيه أحدهما وأن يحرصا على أطفالهما ( والصلح خير ) فالشيطان يجري من ابن آدم مجرى الدم .
فلنعتبر بهذه القصة القصيرة العظيمة ولنتنازل ولنقل ( أنا نازل ) بكل ماتحمله من معنى …
حفظك الله وإياي وجميع المسلمين في غدونا ورواحنا والحمد لله أولا وآخرا وظاهرا وباطنا.