خطبة التعوذات الثمان
عن أم سلمة رضي الله عنها قالت: مَا خَرَجَ النَّبِيُّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ مِنْ بَيْتِي قَطُّ إِلَّا رَفَعَ طَرْفَهُ إِلَى السَّمَاءِ فَقَالَ: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» [رواه أصحاب السنن الأربعة، وهذا لفظ أبي داود].
هذا دعاء عظيم من أدعية النبي صلى الله عليه وسلم، ينبغي للمسلم أن يحرص عليه عند خروجه من بيته، «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ» فيستعيذ المسلم من أن يضلعن الحق والهداية بفعل نفسه أو بفعل غيره، وفي هذا يقول المولى جل وعلا عن الصالحين ومايدعونه به: ﴿رَبَّنَا لَا تُزِغْ قُلُوبَنَا بَعْدَ إِذْ هَدَيْتَنَا وَهَبْ لَنَا مِن لَّدُنكَ رَحْمَةً إِنَّكَ أَنتَ الْوَهَّابُ﴾ [آل عمران:8]، وعن شهر بن حوشب قال: قُلتُ لأمِّ سلمةَ: يا أمَّ المؤمنينَ ما كانَ أَكْثرُ دعاءِ رسولِ اللَّهِ صلَّى اللَّهُ علَيهِ وسلَّمَ إذا كانَ عندَكِ؟ قالَت: كانَ أَكْثرُ دعائِهِ: «يا مُقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ» قالَت: فقُلتُ: يا رسولَ اللَّهِ ما أكثرُ دعاءكَ يا مقلِّبَ القلوبِ ثبِّت قلبي على دينِكَ؟ قالَ: «يا أمَّ سلمةَ إنَّهُ لَيسَ آدميٌّ إلَّا وقلبُهُ بينَ أصبُعَيْنِ من أصابعِ اللَّهِ، فمَن شاءَ أقامَ، ومن شاءَ أزاغَ» [رواه أبوداود].
«اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ» من زلة القدم، أي أذنب من تلقاء نفسي أو يوقعني غيري في الذنب،فالمؤمن يا عباد الله يخاف من الوقوع في الذنوب لأنه يعلم بأنه سيحاسب عليها يوم القيامة،قال عبدُ اللهِ بنُ مسعودٍ رضي الله عنه: إنَّ المؤمنَ يرَى ذنوبَه كأنه في أصلِ جبلٍ يخافُ أنْ يقعَ عليه وإنَّ الفاجرَ يرَى ذنوبَه كذبابٍ وقع على أنفِه قال به هكذا، فطار. [رواه الترمذي رواه البخاري باختلاف يسير].
ويحذرنا جل وعلا من الوقوع في الذنوب فيقول: ﴿ومَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكاً ونَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى﴾ [طه:124]. فالذنوب تُبعد الإنسان عن ذكر الرحمن وعبادته، والذنوب يا عباد الله تقسي القلب وتُمرضه وتَذْهَبُ بالحياء ويَصدأُ القلبُ بسببها قال صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ العبدَ إذا أخطأَ خَطِيئَةً نُكِتَتْ في قلبِهِ نُكْتَةٌ، فإنْ هو نزعَ واستغفرَ صُقِلَتْ، فإنْ عادَ زِيدَ فيها حتى تَعْلو قلبَهُ، فَذلكَ الرَّانُ الذي ذكرَ اللهُ تعالى: ﴿كَلَّا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾» [صحيح الترغيب (1620)].
«اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ» أظلِمَ أي أحد، أو أُظلَمَ من أي أحد، وقد حرم الله عز وجل الظلم فعن النَّبيِّ صَلَّى اللَّهُ عليه وسلَّمَ فِيما رَوَى عَنِ اللهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى، أنَّهُ قالَ: «يا عِبَادِي، إنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ علَى نَفْسِي، وَجَعَلْتُهُ بيْنَكُمْ مُحَرَّمًا، فلا تَظَالَمُوا» [رواه مسلم].
وقد نزه سبحانه نفسه عن الظلم فقال: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَظْلِمُ مِثْقَالَ ذَرَّةٍ وَإِن تَكُ حَسَنَةً يُضَاعِفْهَا وَيُؤْتِ مِن لَّدُنْهُ أَجْرًا عَظِيمًا﴾ [النساء:40]، وقال عز وجل: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾ [فصلت:46]، فهو سبحانه أحكم الحاكمين، وأعدل العادلين، وكما حرم الظلم على نفسه جل وعلا فكذلك حرمه على عباده ونهاهم أن يتظالموا فيما بينهم، والظلم نوعان: ظلم العبد لنفسه، وأعظمه الشرك بالله عز وجل، قال سبحانه: ﴿إِنَّ الشِّرْكَ لَظُلْمٌ عَظِيمٌ﴾ [لقمان:13]، ثم يليه ارتكاب المعاصي على اختلاف أجناسها من كبائر وصغائر، وأما النوع الثاني من أنواع الظلم: فهو ظلم الإنسان لغيره بأخذ حقه أو الاعتداء عليه في بدنه أو ماله أو عرضه أو نحو ذلك، قال صلى الله عليه وسلم في خطبته في حجة الوداع: «إنَّ دِمَاءَكُمْ وأَمْوَالَكُمْ وأَعْرَاضَكُمْ علَيْكُم حَرَامٌ، كَحُرْمَةِ يَومِكُمْ هذا، في بَلَدِكُمْ هذا، في شَهْرِكُمْ هذا» [رواه البخاري].
لا تظلمن إذا ما كنت مقتدرًا…فالظلم ترجع عقباه إلى الندمِ
تنام عيناك والمظلوم منتبهٌ…يدعو عليك وعينُ الله لم تنمِ
أقول قولي هذا وأستغفر الله..
الخطبة الثانية:
قال صلى الله عليه وسلم: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» أي أفعل فعل الجُهال من الإضرار والإيذاء للناس، أو يُجهل عليّ ويأذيني أحد من الناس، وقد نهى صلى لله عليه وسلم عن الضرر والضرار فقال: «لا ضَرَرَ ولا ضِرارَ» [رواه ابن ماجه]، قال تعالى: ﴿وَالَّذِينَ يُؤْذُونَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ بِغَيْرِ مَا اكْتَسَبُوا فَقَدِ احْتَمَلُوا بُهْتَانًا وَإِثْمًا مُّبِينًا﴾ [الأحزاب:58]، فلا ضرر للنفس ولاضرار للغير حتى ولو بكلمة، قال صلى الله عليه وسلم: «ليسَ المؤمنُ بالطَّعَّانِ ولا اللَّعَّانِ ولا الفاحشِ ولا البَذيءِ» [رواه الترمذي]، فالإنسان يا عباد الله عندما يَدْعُ الله بهذا الدعاء عند خروجه من بيته: «اللَّهُمَّ أَعُوذُ بِكَ أَنْ أَضِلَّ أَوْ أُضَلَّ أَوْ أَزِلَّ أَوْ أُزَلَّ أَوْ أَظْلِمَ أَوْ أُظْلَمَ أَوْ أَجْهَلَ أَوْ يُجْهَلَ عَلَيَّ» فإنه يسأل الله تعالى ويستعيذ به من شرور الآخرة والدنيا، فالزيغ عن الحق والوقوع في الذنوب من أمور الآخرة، والظلم والجهل من أمور الدنيا، فليحرص كل منا على هذا الدعاء المبارك وليستعذ بالله عز وجل من هذه الثمان والله المستعان وعليه التكلان ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.
اترك تعليقًا